المنافقون لا يُظهرون ما يعتقدون من كفر، ويعملون ويكيدون في الخفاء ضد الإسلام والمسلمين، ولذا فابتلاء المسلمين بهم أشد من ابتلائهم بالكفار المجاهرين الذين يظهرون عداوتهم، ولهذا قال الله تعالى عن المنافقين: {هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ}(المنافقون:4)، قال السعدي: "فهؤلاء {هُمُ الْعَدُوُّ} على الحقيقة، لأن العدو البارز المتميز، أهون من العدو الذي لا يشعر به، وهو مخادع ماكر، يزعم أنه ولي، وهو العدو المبين".
لقد واجه النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة إلى جانب عداء اليهود عدواً جديداً لم يكن للمسلمين عهد به في مكة، وهو النفاق، وذلك لأنه لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة المنورة، وانتشر الإسلام بها، صار أناس من أهلها من الأوس والخزرج، يُظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، ليبقى جاههم، وكان على رأس هؤلاء المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول الذي كاد الأوس والخزرج أن ينصبوه زعيما لهم، ثم ألغيت هذه الفكرة بهجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ودخول أهلها في الإسلام، قال ابن هشام في السيرة النبوية: " قدِم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وسيّد أهلها عبد الله بن أبيّ ابن سلول العوفيّ، لم تجتمع الأوس والخزرج قبله ولا بعده على رجل غيره من أحد الفريقين، حتى جاء الإسلام، وكان قومه قد نظموا له الخرز ليتوّجوه، ثمّ يملكوه عليهم، فجاءهم الله تعالى برسوله صلى الله عليه وسلم وهم على ذلك، فلمّا انصرف قومه عنه إلى الإسلام، ضغن (حقد)، ورأى أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استلبه مُلْكَاً، فلمّا رأى قومه قد أبوا إلّا الإسلام دخل فيه كارهاً، مصرّا على نفاق وضغن".
وسلك النبي صلى الله عليه وسلم مع المنافقين الذين يتظاهرون بالإسلام طريق اللين والإغضاء، يقبل منهم أعذارهم على ضعفها وكذبها، فإذا وقع أحدهم في أمر أو قال قولاً ربما يُهْدِر دمه، تجاوز عنه حتى لا يقال: إن محمداً يقتل أصحابه، وما هم من صحبته في شيء، ولكن هكذا ربما يقول الناس .. وهذا ما حدث منه صلى الله عليه وسلم في غزوة بني المصطلق أو (المريسيع)، التي جرت أحداثها في شعبان سنة خمس عند عامة أهل المغازي، وسنة ست على قول ابن إسحاق.
فهذه الغزوة سعى المنافقون فيها ـ كعادتهم دائماً ـ إلى محاولة التفريق بين المسلمين، وإثارة النعرة الجاهلية بينهم، بل وقال زعيمهم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه الأذل. فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: (كنا في غزاة (بني المصطلق) فكسع (ضرب) رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فسمع ذاك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما بال دعوى جاهلية؟ قالوا يا رسول الله: كسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار، فقال: دعوها (اتركوها) فإنها منتنة.. فقال عبد الله بنُ أُبَيّ: أوَ قد فعَلوا، والله لئِنْ رجَعْنا إلى المدينةِ ليُخرِجَنَّ الأعَزُّ منها الأذَلَّ، فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق (عبد الله بن أبي بن سلول)، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: دَعْه (اتركه)، لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه) رواه البخاري.
قال النووي: "(دعوها فإنها منتنة) أي قبيحة كريهة مؤذية". وقال القرطبي: "(دعوها فإنَّها منتنة) أي: مستخبثة، قبيحة، لأنَّها تثير التعصب على غير الحق، والتقاتل على الباطل، ثم إنها تجر إلى النار". وقال السيوطي: "قال في النِّهاية:"أي مذمومة في الشرع مُجْتَنَبةٌ مكروهة".
زيد بن أرقم ونزول سورة "المنافقون" :
زيد بن أرقم رضي الله عنه كان من الذين ردهم النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة أحُد لصغر سِنِّهِم، وقد شهد مع النبي صلى الله عليه وسلم سبع عشرة غزوة. وفي غزوة بني المصطلق لما قال عبد الله بن أبي بن سلول ما قاله، سمعه زيد بن أرقم فأخبر بذلك عمه سعد بن عبادة رضي الله عنه، فعن زيد بن أرقم قال: (كنتُ مع عمِّي (سعد بن عبادة)، فسمِعْتُ عبدَ الله بن أُبَيِّ بن سلولٍ يقول: لا تُنفِقوا على مَن عِند رسول الله حتى يَنفَضُّوا، وقال أيضاً: لئِنْ رجَعنا إلى المدينةِ ليُخرِجَنَّ الأعزُّ منها الأذَلَّ، فذكَرتُ ذلك لعمِّي، فذكَر عمِّي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عبد الله بن أُبَيٍّ وأصحابِه، فحلفوا ما قالوا، فصدَّقَهم رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وكذَّبَني، فأصابني هَمٌّ لم يُصِبْني مثلُه قط، فجلَستُ في بَيتِي، وقال عمِّي: ما أرَدتَ إلى أن كذَّبَك النبيُّ صلى الله عليه وسلم ومَقَتَك (أبغضك)؟ فأنزَل اللهُ تعالى: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ}(المنافقون:1)، فأرسَل إليَّ النبي صلى الله عليه وسلم فقرَأها وقال: إنَّ اللهَ قد صدَّقَك (أظهر صدقك فيما أعلمت به)) رواه البخاري. وفي رواية للترمذي قال زيد بن أرقم رضي الله عنه: (فوَقع عليَّ مِن الهمِّ ما لم يَقَعْ على أحدٍ، قال: فبينما أنا أَسِيرُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سَفَرٍ قد خَفَقْتُ برأسي مِن الهمِّ إذ أتاني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فعَرَكَ أُذُني، وضَحِكَ في وجهي، فما كان يَسُرُّني أن لي بها الخلدَ في الدنيا، ثم إن أبا بكرٍ لَحِقني فقال: ما قال لك رسولُ الله صلى الله عليه وسلم؟! قلتُ: ما قال لي شيئًا إلا أنه عرَكَ أُذُني، وضَحِك في وجهي! فقال: أَبْشِرْ، ثم لَحِقَني عمر، فقُلْتُ له: مثلَ قولي لأبي بكرٍ، فلما أصْبَحْنا قرأ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم سورة المُنافقين).
وسورة "المنافقون" تتحدث بالتفصيل عن النفاق والمنافقين، قال ابن عطية: "وهي مدنية بإجماع، وذلك أنها نزلت في غزوة بني المصطلق بسبب أن عبد الله بن أبيّ بن سلول، كانت منه في تلك الغزوة أقوال، وكان له أتباع يقولون قوله، فنزلت السورة كلها بسبب ذلك".
قال ابن حجر في "فتح الباري" في كلامه حول حديث زيد بن أرقم رضي الله عنه: "وفي الحديث من الفوائد: ترك مؤاخذة كبراء القوم بالهفوات لئلا ينفر أتباعهم، والاقتصار على معاتباتهم وقبول أعذارهم، وتصديق أيْمانهم، وإن كانت القرائن ترشد إلى خلاف ذلك، لما في ذلك من التأنيس والتأليف، وفيه: جواز تبليغ ما لا يجوز للمقول فيه، ولا يُعَدُّ نميمة مذمومة إلا إن قُصِدَ بذلك الإفساد المطلق، وأما إذا كانت فيه مصلحة ترجح على المفسدة فلا". وقال صاحب "المنهل الحديث في شرح الحديث": "في الحديث منقبة عظيمة لزيد بن أرقم رضي الله عنه، وذم النفاق والتحذير من المنافقين".
الحكمة النبوية :
لما علم النبي صلى الله عليه وسلم بما حدث وما قيل، أمر الجيش بالسير في غير وقت السير، بل وأمرهم بمتابعة السير حتى التعب الشديد، وذلك لأن ما حدث بين الأنصار والمهاجرين، والكلام الذي أثاره عبد الله بن أبي بن سلول، لو تُرِك لينتشر في الجيش ربما يسبب خلافات، ويثير القيل والقال، مما لا تُحمد عقباه، ومن ثم كانت مسيرة الجيش المتصلة ليلاً ونهاراً، مما أجهدهم، حتى وقعوا نياماً، فقاموا وقد مسح النوم العميق بعد النصب الشديد آثار هذه الفتنة، ولذلك قال أُسَيْد بن حُضيْر رضي الله عنه ـ كما ذكر ابن هشام في السيرة النبوية ـ: (يا نبي الله! والله لقد رُحْتَ في ساعة منكرة (عير مألوف السير فيها) ما كنت تروح في مثلها.. قال أسيد: وإنما فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشغل الناس عن الحديث الذي كان بالأمس من حديث عبد الله بن أبي".
كذلك من الحكمة النبوية في هذا الموقف: حكمته صلى الله عليه وسلم في محافظته على وحدة الصف الداخلية، وعلى السمعة الطيبة للإسلام والمسلمين، وحتى لا يُشاع بين العرب أن محمداً صلى الله عليه وسلم يقتل أصحابه، فينفض الناس من حوله، وينفرون من دخول الإسلام، ففرْق كبير بين أن يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه، وبين أن يتحدث الناس عن حب أصحاب محمدٍ محمدا.
قال النووي: "قوله صلى الله عليه وسلم (دعه لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه) فيه ما كان عليه صلى الله عليه وسلم من الحلم، وفيه ترك بعض الأمور المختارة، والصبر على بعض المفاسد خوفاً من أن تترتب على ذلك مفسدة أعظم منه، وكان صلى الله عليه وسلم يتألف الناس ويصبر على جفاء الأعراب والمنافقين وغيرهم، لتقوى شوكة المسلمين وتتم دعوة الإسلام، ويتمكن الإيمان من قلوب المؤلفة ويرغب غيرهم في الإسلام، وكان يعطيهم الأموال الجزيلة لذلك، ولم يقتل المنافقين لهذا المعنى، ولإظهارهم الإسلام، وقد أمر بالحكم بالظاهر والله يتولى السرائر، ولأنهم كانوا معدودين في أصحابه صلى الله عليه وسلم ويجاهدون معه إما حمية وإما لطلب دنيا أو عصبية لمن معه من عشائرهم".
من دروس السيرة النبوية الهامة بيان خطر المنافقين والحكمة في التعامل معهم، وهذا ما ظهر من النبي صلى الله عليه وسلم في تعامله معهم في مواقف وأحداث كثيرة بما يتناسب مع الموقف والحدث، ومن ذلك ما وقع في غزوة بني المصطلق أو (المريسيع).
المقالات

