الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قواعد القراءات القرآنية وصلتها بالتفسير (1)

قواعد القراءات القرآنية وصلتها بالتفسير (1)

قواعد القراءات القرآنية وصلتها بالتفسير (1)

من المعلوم أن المفسرين اختلفوا في تفسير مواضع عدة في القرآن الكريم، وكان تعدد القراءات القرآنية أحد الأسباب لاختلافهم، وتعدد أقوالهم، وقد قرر المفسرون وعلماء القراءات القرآنية بعض القواعد الضابطة لهذا الاختلاف، والحاكمة لكيفية الخروج منه. يتجه هذا المقال إلى ذكر قاعدتين من تلك القواعد، هي:

القاعدة الأولى

تقول القاعدة: القراءة المتواترة هي الأصل؛ لأنها قرآن مقطوع به، فلا تقوى على معارضتها قراءة شاذة.

توضيح القاعدة: التواتر أقوى طرق الإثبات؛ ولذلك فإنه يفيد اليقين والقطع، والمتواتر: هو ما رواه جمع عن جمع، تحيل العادة تواطؤهم على الكذب.

وأما القراءة الشاذة فهي التي اختل فيها ركن من أركان القراءة الصحيحة الثلاثة، وهي:

1- صحة السند.

2- موافقة اللغة العربية، ولو بوجه.

3-موافقة أحد المصاحف العثمانية، ولو احتمالاً.

فمتى اختل ركن من هذه الأركان، فهي القراءة الشاذة.

وقد أعمل المفسرون هذه القاعدة في تفسير العديد من الآيات، نتوقف عند مثالين:

المثال الأول

* قوله تعالى: {إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما} (البقرة:158) هكذا في القراءة المتواترة: {فلا جناح عليه أن يطوف بهما} وقرأ علي رضى الله عنه، وابن مسعود، وأنس بن مالك، وابن عباس رضي الله عنهم (أن لا يطَّوَّف بهما) بتشديد الطاء والواو معاً، وقرئ شاذاً كذلك (أن لا يتطوف) وكذلك أيضاً (أن لا يطُوْف) بضم الطاء وسكون الواو.

قال ابن عطية في "المحرر الوجيز" مصوِّراً الخلاف بين العلماء بناء على اختلاف القراءات فيها، قال: "واختلف العلماء في السعي بين الصفا والمروة، فمذهب مالك والشافعي أن ذلك فرض وركن من أركان الحج، لا يجزئ تاركه أو ناسيه إلا العودة، ومذهب الثوري وأصحاب الرأي أن الدم يجزئ تاركه، وإن عاد، فحسن، فهو عندهم ندب...إلى أن قال: وقال عطاء: ليس على تاركه شيء، لا دم ولا غيره، واحتج عطاء بما في مصحف ابن مسعود (أن لا يطوف بهما)". إلى هنا انتهى تصوير الخلاف، واحتجاج عطاء بالقراءة الشاذة على ما لا تفيده القراءة المتواترة.

ثم قال ابن عطية -معتمداً على القاعدة المذكورة-: "وهى قراءة خالفت مصاحف الإسلام، وقد أنكرتها عائشة رضى الله عنها في قولها لعروة حين قال لها: أرأيتِ قول الله: {فلا جناح عليه أن يطوف بهما}؟ فما نرى على أحد شيئاً ألا يطوف بهما، قالت: يا عروة؟ كلا، لو كان ذلك، لقال: فلا جناح عليه ألا يطوف بهما".

ثم حاول ابن عطية أن يوجه الآية توجيهاً، يجعلها فيه موافقة للمتواترة، فتكون شاهدة لها، لا معارضة، فقال: "وأيضاً فإن ما في مصحف ابن مسعود يرجع إلى معنى (أن يطوف)، وتكون (لا) زائدة صلة في الكلام، كقوله تعالى: {ما منعك ألا تسجد} (الأعراف:12)".

وهذا ما لم يرتضه كثير من المفسرين، ومن بينهم ابن العربي، الذي نقل هذا القول عن الفراء، ثم علق عليه بقوله: "وهذا ضعيف من وجهين: أحدهما: أنا قد بينا في مواضع أنه يبعد أن تكون (لا) زائدة. ثانيهما: أنه لا لغويٌّ ولا فقيه يعادل عائشة رضى الله عنها، وقد قررتها غير زائدة، وقد بينت معناها، فلا رأي للفراء ولا لغيره".

ومراده تفسير عائشة رضى الله عنها للآية حين أشكل معناها على ابن أختها عروة بن الزبير، وقد تقدم قريباً.

ومن العلماء الذين اعتمدوا على هذه القاعدة أيضاً في الموازنة بين القراءات الواردة في هذه الآية التي نحن بصددها الشيخ الأمين الشنقيطي في كتابه "أضواء البيان" حيث قال: "فإن قيل: جاء في بعض قراءات الصحابة (فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما) كما ذكر ذلك الطبري وابن المنذر وغيرهما عن أبى بن كعب، وابن مسعود، وابن عباس رضى الله عنهم، فالجواب من وجهين:

الأول: أن هذه القراءة لم تثبت قرآناً، لإجماع الصحابة على عدم كتبها في المصاحف العثمانية، وما ذكره الصحابي على أنه قرآن، ولم يثبت قرآناً، ذهب كثير من أهل العلم إلى أنه لا يستدل به على شيء، وهو مذهب مالك والشافعي، ووجه ذلك أن الصحابي لما ذكره على أنه قرآن، وقد ثبت بطلان ذلك، فإنه يترتب عليه ألا يحتج به على شيء.

وقال بعض أهل العلم: إذا بطل كونه قرآناً، لم يمنع ذلك من الاحتجاج به، كأخبار الآحاد، التي ليست بقرآن.

فعلى القول الأول: فلا إشكال، وعلى الثاني فيجاب بأن القراءة المذكورة تخالف القراءة المجمع عليها المتواترة، وما خالف المتواتر المجمع عليه، إن لم يمكن الجمع بينهما، فهو باطل، والنفي والإثبات لا يمكن الجمع بينهما، لأنهما نقيضان.

الوجه الثاني: هو ما ذكره ابن حجر في "الفتح" عن الطبري والطحاوي من أن قراءة (ألا يطوف بهما)، محمولة على القراءة المشهورة و(لا) زائدة". قال الشنقيطي: "ولا يخلو من تكلف كما ترى".

المثال الثاني

* قوله سبحانه: {ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب} (الرعد:43) قال الشوكاني: "أي: عِلْم جنس الكتاب، كالتوراة والإنجيل؛ فإن أهلهما العالمين بهما، يعلمون صحة رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أخبر بذلك من أسلم منهم، كعبد الله بن سلام وغيره. وقد كان المشركون من العرب يسألون أهل الكتاب، ويرجعون إليهم، فأرشدهم الله سبحانه في هذه الآية إلى أن أهل الكتاب يعلمون ذلك. وقيل: المراد بالكتاب القرآن، ومن عنده عِلْمٌ منه هم المسلمون. وقيل: المراد من عنده علم اللوح المحفوظ، وهو الله سبحانه".

هذا التفسير مبنى على القراءة المتواترة المذكورة، لكن قرأ ابن السميقع -شاذاً- (ومِنْ عِندِه عُلِم الكتابُ) بجعل (من) حرف جر، وما بعدها مجروراً به، وجَعْلِ (عُلِم) فعلاً مبنياً للمجهول و(الكتاب) نائب فاعل. ولهذا قال ابن مجاهد في تفسير الآية بناء على هذه القراءة، قال: "الهاء في (عنده) تعود إلى الله، وقيل: هي للنبي صلى الله عليه وسلم، وقيل: هي لعبد الله بن سلام، وقال ابن خالويه: وقيل: (الهاء) لعلي رضى الله عنه".

وقد ذكر الطبري في "تفسيره" هاتين القراءتين، وذكر التفسير المبنى عليهما، ثم قال معقِّباً ومقرِّراً مضمون هذه القاعدة: "فإذا كان قَرأة الأمصار من أهل الحجاز والشام والعراق على القراءة الأخرى، وهي: {ومَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكتاب}، كان التأويل الذي على المعنى الذى عليه قَرأة الأمصار، أولى بالصواب مما خالفه؛ إذ كانت القراءة بما هم عليه مجمعون أحقُّ بالصواب".

القاعدة الثانية

تقول القاعدة: القراءتان المتواترتان بمنزلة آيتين، تكمل إحداهما الأخرى ولا تعارضهما، ويمتنع الترجيح بينهما، فإن أمكن الحمل عليهما لزم ذلك، وإلا فهما بمنزلة آيتين تحلان معنيين.

توضيح القاعدة: من المقرر أن التواتر أعلى طرق الإثبات؛ إذ هو يفيد اليقين والقطع، وفيما يتعلق بالقراءات القرآنية من جهة التواتر، قال العلماء: إن القراءات السبع المتواترة، بل قالوا كذلك: إن التحقيق أن القراءات العشر متواترة.

ومن ثم فإنه لا يجوز الترجيح بينها، لكون كل منها قرآناً مقطوعاً بقرآنيته، ومن يفعل ذلك، فإنه يكون قد أنكر قرآناً، أو وهَّن من قدره، وفي كلا الأمرين من الإثم ما لا يخفي. لذا يجب أن يكون المفسر على حيطة وحذر، بل عليه أن يحاول أن يجمع بين القراءتين اللتين ظاهرهما التعارض في معنى مؤلف منهما؛ لأنه يُستبعد أن تتعارض قراءتان متوترتان تعارضاً مطلقاً، لا يمكن معه الالتقاء بينهما، فإن لم يمكن ذلك التوفيق، فالقراءتان حينئذٍ بمنزلة آيتين، لكل واحدة منها معنى مستقل.

وبناء على ذلك، فتوارد المعاني في الآية الواحدة بسبب تعدد وجوه القراءة فيها هو نظير التضمين في استعمال العرب، أو نظير التورية والتوجيه في علم البديع، ونظير مستتبعات التراكيب في علم المعاني.

أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:

- قال السيوطي: "تنوع القراءات بمنزلة الآيات، ولو جُعلت دلالة كل لفظ آية على حده، لم يخف ما كان فيه من التطويل".

- وقال ابن الجزري: "إن كل قراءة بمنزلة الآية، إذ كان تنوع اللفظ بكلمة تقوم مقام آيات".

- وقال الزرقاني: "إن تنوع القراءات يقوم مقام تعدد الآيات، وذلك ضرب من ضروب البلاغة، يبتدئ من جمال هذا الإيجاز وينتهى إلى كمال الإعجاز".

- وقال الشنقيطي: "اعلم أن القراءتين إذا ظهر تعارضهما في آية واحدة، كان لهما حكم الآيتين، كما هو معروف عند العلماء".

وقد منع العلماء الترجيح بين القراءتين، وهذا يعضٌ من أقوالهم:

- قال النحاس: "السلامة عند أهل الدين إذا صحت القراءتان أن لا يقال: إحداهما أجود؛ لأنهما جميعاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيأثم من قال ذلك، وكان رؤساء الصحابة ينكرون مثل هذا".

- وقال أبو شامة: "أكثر المصنفون من الترجيح بين قراءة (مالك) و(ملك) حتى إن بعضهم بالغ إلى حد يكاد يسقط وجه القراءة الأخرى، وليس هذا بمحمود بعد ثبوت القراءتين".

- وقال ثعلب: "إذا اختلف الإعراب في القرآن على السبعة، لم أفضل إعراباً على إعراب في القرآن، بخلاف ما إذا وقع الاختلاف في كلام الناس، فإني أفضل الأقوى".

- وقال ابن النقيب في "التحرير والتحبير": "لا وجه للترجيح بين بعض القراءات السبع، وبعض في مشهور كتب الأئمة من المفسرين والقراء والنحويين".

- وقال الكواشي: "قد ترجَّح إحدى القراءتين على الأخرى ترجيحاً يكاد يسقطها، وهذا غير مرضٍ؛ لأن كلاً منهما متواتر".

ومن الأمثلة التطبيقية لهذه القاعدة، نذكر المثالين الآتيين:

المثال الأول

* قوله تعالى: {فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن} (البقرة:222) ففي قوله: {يطهرن} قراءتان متواترتان: إحداهما بسكون الطاء المخففة وضم الهاء (يطْهُرن) والأخرى بتشديد الطاء والهاء مفتوحتين (يطَّهَّرن)، والأولى قراءة نافع وأبى عمرو وابن كثير وابن عامر وعاصم في رواية حفص. والأخرى قراءة حمزة والكسائي وعاصم في رواية شُعبة؛ ولذلك اختلف العلماء في تفسيرها، وفي الحكم المنبني على ذلك الخلاف.

قال الشوكاني استناداً إلى هذه القاعدة: "وبسبب اختلاف القراء اختلف أهل العلم، فذهب الجمهور إلى أن الحائض لا يحل وطؤها لزوجها حتى تتطهر بالماء...وقال الحنفية: إن انقطع دمها بعد مضى عشرة أيام جاز له أن يطأها قبل الغسل، وإن كان انقطاعه قبل العشرة لم يجز حتى تغتسل، أو يدخل عليها وقت الصلاة". وقد رجَّح ابن جرير الطبري قراءة التشديد، ثم قال الشوكاني: "والأولى أن يقال: إن الله سبحانه جعل للحِلِّ غايتين، كما تقتضيه القراءتان، إحداهما: انقطاع الدم، والأخرى: التطهر منه، والغاية الأخرى مشتملة على زيادة على الغاية الأولى، فيجب المصير إليها، وقد دل على أن الغاية الأخرى هي المعتبرة قوله تعالى بعد ذلك: {فإذا تطهرن} (البقرية:222) فإن ذلك يفيد أن المعتبر الاغتسال لا انقطاع الدم. وقد تقرر أن القراءتين بمنزلة الآيتين، فكما أنه يجب الجمع بين الآيتين المشتملة إحداهما على زيادة بالعمل بتلك الزيادة، كذلك يجب الجمع بين القراءتين". وهذا تقرير من الشوكاني لمضمون القاعدة.

المثال الثاني

* قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين} (المائدة:6) قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وعاصم في رواية حفص {وأرجلِكم} بكسر اللام. وقرأ الباقون بالنصب، وهم نافع وابن عامر والكسائي وعاصم في رواية شعبة. فأما من قرأ بالنصب فلوقوع الفعل وهو (اغسلوا) عليه، أي: واغسلوا (أرجلكم إلى الكعبين) فهو إذن معطوف على {وجوهكم}. ومن قرأ بالخفض {وأرجلِكم} فالعطف في قراءته على (رءوسِكم) والرؤوس الغرض فيها المسح، وليس الغسل. ولذا أخذ العلماء من هذه الآية مشروعية المسح على الخفين الذى قررته السنة.

فصارت القراءتان هنا بمنزلة الآيتين؛ إحداهما: أثبتت مشروعية غسل الرجلين، وهى قراءة النصب، والأخرى -وهي قراءة الخفض- أثبتت مشروعية المسح على الخفين.

وقد وجه بعض العلماء قراءة الخفض بأنه للمجاورة، كما قالوا: جُحْرُ ضب خَرِبٍ، فالوجه أن يقال: خَرِبٌ، على أنه خبر للمبتدأ (جُحْرُ)، لكن خُفِضَ لمجاورة المضاف إليه. وقال بعضهم: إن (المسح) هنا بمعنى الغسل. هذا وللقاعدة أمثلة كثيرة.

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة