تعتبر معجزات النبوية من أهم دلائل النبوة التي تشهد على صدق نبوته ورسالته، ومن بين هذه المعجزات، إخباره عن أمور غيبية مستقبلية، وقد تحققت هذه الأخبار بدقة متناهية، مما يزيد اليقين بصدق ما جاء به، ومن بين هذه الأخبار، ما ورد في الحديث النبوي الشريف من الإخبار عن ظهور فئتين في الأمة: الأولى: فئة الجبارين والظلمة المتسلطين على الناس، والثانية: ظهور المتبرجات الكاسيات العاريات.
ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صنفان من أهل النار لم أرهما، قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مُمِيلات مائلات، رءوسهن كأسنمة البُخْت المائلة، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا»
وفي رواية عنده أيضا عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يوشك، إن طالت بك مدة، أن ترى قوما في أيديهم مثل أذناب البقر، يغدون في غضب الله، ويروحون في سخط الله».
معاني الكلمات الغريبة:
قوله (لم أرهما) وفي رواية: (لم أرهما بعد)، قال في مرقاة المفاتيح: المراد أنه عليه الصلاة والسلام لم يرهما في عصره لطهارة ذلك العصر بل حدثا بعده. انتهى
قوله: (كاسيات عاريات) فيه أوجه: أحدها: معناه كاسيات من نعمة الله عاريات من شكرها، والثاني: كاسيات من الثياب عاريات من فعل الخير والاهتمام لآخرتهن والاعتناء بالطاعات، والثالث: تكشف شيئا من بدنها إظهارا لجمالها فهن كاسيات عاريات، والرابع: يلبسن رقاقا تصف ما تحتها.
وأما (مائلات مميلات) فقيل: زائغات عن طاعة الله تعالى وما يلزمهن من حفظ الفروج وغيرها، ومميلات يعلمن غيرهن مثل فعلهن، وقيل: مائلات متبخترات في مشيتهن مميلات أكتافهن وأعطافهن.
(رؤوسهن كأسنمة البخت) معناه: يصنعن من شعورهن أو شعور مستعارة شيئا عاليا على رؤوسهن يشبه سنام الجمل؛ طلبا للزينة ولفت أنظار الرجال إليهن. قال في اللسان: البخت والبخيتة هي الإبل الخراسانية تنتج من بين عربية وفالج (والفالج البعير ذو السنامين وهو الذي بين البختي والعربي سمي بذلك لأن سنامه نصفان).
تحقق وقوع الخبر النبوي:
لا يشك أحد اليوم من وقوع ما أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم لا من جهة موثوقية الخبر وطريق وصوله إلينا فحسب ولكن من جهة الواقع المشاهد أيضا، قال النووي في شرحه على مسلم: هذا الحديث من معجزات النبوة فقد وقع هذان الصنفان، وهما موجودان، وفيه ذم هذين الصنفين. انتهى. وقال السخاوي في كتاب الإشاعة لأشراط الساعة عن تحقق ظهور الجبارين: وهم الآن أعوان الظلمة ويطلق غالباً على أقبح جماعة الوالي، وربما توسع في إطلاقه على ظلمة الحكام. انتهى
ظهور التبرج:
لا يزال ظهور التبرج بين النساء يتسع شيئا فشيئا حتى صار اليوم أحد سمات هذا العصر الذي نعيشه، وأصبح التبرج والتعري بابا من أبواب الشهرة، وله مؤسسات راعية وقنوات داعمة، وأضحى الأمر أحد منجزات الحضارة الغربية التي يفاخرون بها على أنه تحقيق للحرية، وهو في الحقيقة فساد في الأرض، وتمرد على الشرع، وانتكاس عن الفطرة، ولغلبة ذلك على هذا الزمان صارت الحشمة غريبة محاربة، بل لا تأمن ذات الحجاب في بعض البلدان على نفسها من الرمي بتهمة الرجعية والإرهاب، وربما الأذى والمنع من حقوقها في التعليم وحرية الحركة.
ومقتضى حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن عذاب هذا الصنف من النساء هو ذم في ذات الوقت لمن كان واليا عليهن من زوج أو أب أو نحوه لا سيما إذا قصروا في نهيهن عن ذلك، فكيف إذا أقروا ذلك ورضوا به، ففي صحيح ابن حبان عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "سيكون في آخر أمتي رجال يركبون على سروج كأشباه الرجال، ينزلون على أبواب المساجد، نساؤهم كاسيات عاريات على رؤوسهن كأسنمة البخت العجاف، إلعنوهن، فإنهن معلونات، لو كان وراءكم أمة من الأمم خدمهن نساؤُكم كما خدمكم نساءُ الأمم قبلكم". وقد صحح هذا الحديث ابن حبان والحاكم والألباني في السلسلة الصحيحة.
ظهور المتجبرين:
يشير الحديث إلى ظهور أناس يتصفون بالتجبر والطغيان، يستغلون قوتهم وسلطتهم في ظلم الناس والتعدي على حقوقهم. وقد شهد التاريخ والواقع على ظهور العديد من الجبارين الذين استبدوا بالحكم واستغلوا سلطتهم في إلحاق الأذى بالناس.
وقد أصبح ظلم الناس من بعض الأنظمة أمرا ظاهرا نراه على وسائل الإعلام بحيث لا يحتاج إلى بحث وتفتيش، وقد أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يراه هو وأصحابه.
والنبي صلى الله عليه وسلم لا يخبر عن حصول ذلك على شكل تصرفات فردية، وإنما يخبر عن ظهور ذلك بحيث تكون ظاهرة غير خفية، وسلوكا واضحا شائعا، وكلما ضعف أهل الحق المنكرون لذلك اتسعت رقعة البلاء بالظلم والفجور، ولذلك اختفت تلك المظاهر في العصور الفاضلة؛ لصلاح الناس، وقيامهم بشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ففي سنن أبي داود عن أبي فراس، قال: خطبنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال: إني لم أبعث عمالي ليضربوا أبشاركم، ولا ليأخذوا أموالكم، فمن فعل به ذلك فليرفعه إلي أقصه منه، قال عمرو بن العاص: لو أن رجلا أدب بعض رعيته أتقصه منه؟ قال: إي والذي نفسي بيده أقصه، وقد «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أَقَصَّ من نفسه».وفي مصنف ابن أبي شيبة قال: «ألا لا تضربوا المسلمين فتذلوهم، ولا تمنعوهم من حقوقهم فتكفروهم».
صدق النبوة: حيث يعتبر تحقق هذه الأخبار الغيبية دليلًا قاطعًا على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وأنه كان يتلقى الوحي من الله تعالى، ولا مجال أمام منكري السنة إلا الإذعان لهذا الإعجاز الغيبي. ويدل على عظمة الإسلام وشموليته، حيث يتضمن تعاليم وإرشادات تتعلق بجميع جوانب الحياة، بما في ذلك الأخلاق والسلوك، والحياة الاجتماعية والمقررات الحقوقية.
مقصود الحديث:
لا شك أن المقصد من هذا الخبر النبوي هو التحذير من الفتن، ومن الوقوع في مثل هذه الشرور المهلكة والموجبة لعذاب النار، فالحديث دعوة للمسلمين إلى التمسك بتعاليم الإسلام، ونداء للمرأة المسلمة للبعد عن صفة الكاسيات العاريات، والالتزام بحجابها وعفافها، خوفا من عذاب النار، فإن الحديث يدل صراحة على أن التبرج من أسباب عذاب النار، فماذا ستجنيه المرأة من تلك السلوكيات المشينة إلا السقوط في الدنيا والعذاب والسخط في الآخرة.
وفيه تحذير للحكام وأعوانهم من ظلم الناس في أعراضهم وأموالهم وكرامتهم، فالله جل جلاله قد توعد الظلمة وأعوانهم بأشد العقوبات،قال تعالى:{وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُم ْ هَوَاءٌ}سورة إبراهيم 42-43.
ولن يتمكن أسيادهم من حمايتهم من قبضة الجبار سبحانه، بل قد أخبرنا الله أنهم يتبرؤن من أعوانهم وأتباعهم في الآخرة، وأنهم لن يغنوا عنهم من الله شيئاً، قال تعالى:{وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ} سورة البقرة الآيات 165-167. ومشاهد البراءة بين الظالمين وأسيادهم في الدنيا مما يذكر بمشهد التنصل عنهم في الآخرة.
وفي صحيح مسلم أن هشام بن حكيم بن حزام مرَّ على أناس من الأنباط بالشام، قد أقيموا في الشمس، فقال: ما شأنهم؟ قالوا: حبسوا في الجزية، فقال هشام: أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: «إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا».
المقالات

