كل ابن آدم خطاء، حقيقة قدرية مستقرة، وأمر متفق عليه، وطبيعة خُلق الناسُ عليها.. ومن عظيم منة الله علينا أن علم ضعفنا، فجبر بالتوبة كسرنا، وفتح لنا أبواب المغفرة، ومد لنا بساط التوبة، ودعانا إليها ورغبنا فيها {وتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور:31].
غير أن البعض قد يؤخره عن التوبة ـ أو يصرفه أحيانا عنها ـ ما يراه من كثرة ذنبه، أو قبح فعله، وربما تسمع شابا يقول: أريد أن أتوب ولكن ذنوبي كثيرة جداً، فأنا لم أترك نوعاً من الفواحش إلا اقترفته، ولا ذنباً تتخيله إلا ارتكبته، لدرجة أني لا أدري هل يمكن أن يغفر الله لي ما فعلته في تلك السنوات الطويلة؟ ولو علمت أن الله يسامحني ويغفر لي لتبت الآن.
هذا شعور وجدته عند بعض من كلمتهم من الشباب، وبعضهم يتمنى العودة والتوبة، ولكن دخل إليه الشيطان من هذا المدخل؛ يريد أن يثبطه ويمنعه من الإقلاع والتوبة، وأن يبقى في وحل الذنوب والمعاصي، فهي أمنية شيطانية.
والإحساس بعظم الذنوب وكثرتها، وشدة وطأتها، جميل وحسن، لأن فيه شعورا بعظم المخالفة، وهو باعث على التوبة، وداع إليها، بخلاف التقليل من شأنها والاستهانة بها، فإنه من معوقات التوبة، كما قال ابن مسعود رضي الله عنه: "إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه فقال به هكذا – أي بيده – فذبه عنه". ولكن غير الجميل هنا هو أن يظن العبد أن الله لا يغفر له، أو أن هناك ذنبا يعظم عن المغفرة، أو تضيق به رحمة الله الواسعة.
أسباب هذا الشعور
والإحساس بأن الذنوب أكثر من أن يغفرها الله ناشئ عن عدة أمور وأفكار غير صحيحة:
أولها: الجهل بقدر سعة رحمة الله:
قال الله سبحانه: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ}[الأعراف:].
والأصل المتفق عليه عند أهل الإسلام وأهل السنة: أن كل من تاب توبة نصوحا، صادقة، مصحوبة بشروطها، خالية عن موانعها، فإن الله يقبلها من صاحبها، ويغفر له مهما كان؛فالتائب من الذنب كمن لا ذنب له، والله يغفر الذنوب جميعا، وليس هناك ذنب تعجز عنه التوبة، حتى الكفر والشرك من تاب منه تاب الله عليه، وهذا صريح في كتاب الله: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له}[الزمر:53ـ 54].
يقول الإمام ابن كثير رحمه الله: "هذه الآية الكريمة دعوة لجميع العصاة من الكفرة وغيرهم إلى التوبة والإنابة، وإخبار بأن الله يغفر الذنوب جميعا لمن تاب منها ورجع عنها، وإن كانت مهما كانت، وإن كثرت وكانت مثل زبد البحر، ولا يصح حمل هذه الآية على غير توبة؛ لأن الشرك لا يغفر لمن لم يتب منه".
ومما ذكره العلماء من أسباب نزول هذه الآية، ما رواه البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما: "أن ناسا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا فأكثروا، وزنوا فأكثروا، فأتوا محمدا - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة. فنزل: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا}[الفرقان:68–70]، ونزل قوله: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ}.
توبة قاتل المائة
وقد ذكر لنا النبي صلى الله عليه وسلم قصة الرجل الذي قتل مائة نفس ثم تاب فتاب الله عليه: فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: (كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفساً فسأل عن أعلم أهل الأرض فدل على راهب، فأتاه فقال: إنه قتل تسعة وتسعين نفساً فهل له من توبة؟ فقال: لا، فقتله فكمّل به مائة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدّل على رجل عالم، فقال: إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة؟ فقال: نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة، انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها أناساً يعبدون الله تعالى فاعبد معهم ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء، فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه ملك الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائباً مقبلاً بقلبه إلى الله تعالى، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيراً قط، فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم – أي حكماً - فقال: قيسوا ما بين الأرضيين فإلى أيتهما كان أدنى فهو له، فقاسوا فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد، فقبضته ملائكة الرحمة) متفق عليه. وفي رواية في الصحيح (فكان إلى القرية الصالحة أقرب بشبر فجعل من أهلها)، وفي رواية في الصحيح: (فأوحى الله تعالى إلى هذه أن تباعدي وإلى هذه أن تقربي وقال: قيسوا ما بينهما، فوجدوه إلى هذه أقرب بشبر فغفر له). فانظر كيف حرك الأرض له لتقبضه ملائكة الرحمة، وهذا دليل على محبته ورضاه وقبول توبته.
ولما رجم النبي صلى الله عليه وسلم الغامدية بعد الزنا، صلى عليها: فقال عمر يا رسول الله رجمتها ثم تصلي عليها! فقال: (لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة وسعتهم، وهل وجدت شيئاً أفضل من أن جادت بنفسها لله عز وجل). رواه عبد الرزاق في مصنفه.
ثانيها: ضعف الرجاء في قلب المذنب
وهذا طبيعي لمن أكثر الذنوب، وهو أثر من آثارها في قلب صاحبها، وقد أمرنا بأن نحسن الظن بربنا، فإن الله عند ظن عبده به، وإنما يقوي الرجاء العلم بالله، وبسعة رحمته، وبعظيم قدرته، وتمام غناه، وأنه يفرح بتوبة عبده، ويحبها، ويقبلها، ومن أقبل على الله أقبل الله عليه، وأنه لا يرد تائبا، فإنه عفو يحب العفو، وقد قال سبحانه في الحديث القدسي: (أنا عند ظن عبدي بي)متفق عليه، وأيضا قال: (يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي،....) [رواه الترمذي].
قال ابن مسعود: "والله الذي لا إله إلا هو لا يحسن أحد الظن بالله إلا أعطاه ظنه".
وفي الحديث القدسي أيضا: (قال تعالى: من علم أني ذو قدرة على مغفرة الذنوب غفرت له ولا أبالي، ما لم يشرك بي شيئاً) [رواه الطبراني والحاكم، وهو في صحيح الجامع].
ثالثها: الجهل بأن التوبة تجب كل ما كان قبلها
وقد صح الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له) رواه ابن ماجه، صحيح الجامع.
قال تعالى: {وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا}[الفرقان:70]، وقال: {إِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَىٰ}[طه:82].
وقال صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا)[رواه مسلم]. وقال أيضا صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ)[رواه الترمذي وحسنه]. وفي حديث عبد الله بن عمرو في صحيح مسلم: (أوما علمت يا عمرو أن التوبة تجب ما قبلها)[مسلم].
تبديل السيئات إلى حسنات
وأعظم من كل ما سبق هو أن الله تعالى يقلب سيئات بعض التائبين إلى حسنات كما في قوله سبحانه: {إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا}[الفرقان:70].
عن عبد الرحمن بين جبير عن أبي طويل شطب الممدود أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم - وفي طرق أخرى – (جاء شيخ هرم قد سقط حاجباه على عينيه وهو يدّعم على عصا حتى قام بين يديّ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أرأيت رجلاً عمل الذنوب كلها فلم يترك منها شيئاً، وهو في ذلك لم يترك حاجة ولا داجة ـ أي صغيرة ولا كبيرة ـ إلا أتاها، وفي رواية، إلا اقتطعها بيمينه، لو قسمت خطيئته بين أهل الأرض لأوبقتهم ـ أي أهلكتهم ـ فهل لذلك من توبة؟ قال: فهل أسلمت؟ قال: أما أنا فأشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. قال: تفعل الخيرات وتترك السيئات فيجعلهن الله لك خيرات كلهن. قال: وغدراتي وفجراتني، قال: نعم. قال: الله أكبر!! فما زال يكبر حتى توارى)[رواه الطبراني والبزار، وقال ابن حجر في الإصابة: هو على شرط الصحيح 4/149].
إياك والقنوط
إن الله تعالى فتح باب التوبة والعودة إلى رحابه أمامنا جميعًا، ومن أعظم الظلم أن نغلقه نحن أمام الناس أو أن يغلقه العبد أمام نفسه حينما يظن أنه ارتكب من الخطايا ما لا يغفره الله، فييأس من رحمة الله ويقنط، وهذا القنوط أكبر من كل خطيئة، وأعظم من كل ذنب، قال تعالى {وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلا الضَّالُّونَ}[الحجر:56]، وقال: {وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ}[الحجر:56].
.. فتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ..
المقالات

