الخطبة الأولى
الحمد للهِ الحكيمِ العليم، خلقَ الخلقَ بحكمته، وشرعَ الشرائعَ بعدله، وفضَّل بعضَهم على بعضٍ فيما تقتضيه الحكمةُ والرحمة، وجعلَ الرجالَ والنساءَ شركاءَ في التكليف والثواب والعقاب، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أحسنَ كلَّ شيءٍ خلقه، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبدُه ورسولُه، أرسله بالهدى ودين الحق، فأنصف المرأةَ بعد ظلم الجاهلية، ورفع شأنها، وأعلى قدرها، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102].
أما بعد:
عباد الله: الحديث عن المرأة في الإسلام حديثٌ عن تكريمٍ رباني، وعدلٍ إلهي، ورحمةٍ عظيمة، لا عن شعاراتٍ براقةٍ تُرفع، ثم تُنتهك الحقوق بعدها في واقع الحياة. لقد جاء الإسلام والمرأة في الجاهلية تُهان، وتُورث كما يورث المتاع، وتُحرم من الميراث، بل وربما دُفنت حيَّةً خوف العار والفقر، فجاء نور الإسلام ليبدد ظلمات الجاهلية، فقال الله تعالى مستنكرًا فعلهم الشنيع: {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ} [التكوير: 8، 9].
ثم رفع الإسلام شأن المرأة أمًّا وبنتًا وزوجةً وأختًا، وجعل لها من الحقوق ما لم تعرفه كثيرٌ من الأمم والحضارات إلا متأخرًا. فالمرأة في الإسلام إنسانٌ كامل الكرامة، لها حق العبادة، وحق التعلم، وحق التملك، وحق الإرث، وحق اختيار الزوج، وحق الحياة الكريمة المصونة بالعفة والطهارة؛ قال الله سبحانه: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 228]. وقال جل وعلا: {إِنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ} [آل عمران: 195].
فالتساوي في الإنسانية والتكليف، والثواب والعقاب أصلٌ ثابت في الإسلام، لا فرق فيه بين رجل وامرأة إلا بالتقوى والعمل الصالح.
أيها المسلمون: بعض الناس حين يسمعون الحديث عن "المساواة" يظنون أن الإسلام يرفض العدل بين الرجل والمرأة، وهذا خطأ عظيم؛ فإن الإسلام جاء بأكمل صور العدل، لكنه لا يجعل المساواة المطلقة هي المعيار في كل شيء؛ لأن الله خلق الرجل والمرأة مختلفين في التكوين والوظائف والقدرات، وجعل لكل واحدٍ منهما خصائص تناسب دوره في الحياة.
قال تعالى: {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَىٰ} [آل عمران: 36]. وقال سبحانه: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} [النساء: 34]. فالقوامة في الإسلام ليست تسلطًا ولا ظلمًا، بل مسؤولية ورعاية وإنفاق وقيام بحقوق الأسرة.
إن العدالة الحقيقية ليست في طمس الفوارق الفطرية بين الرجل والمرأة، وإنما في إعطاء كل طرف ما يناسبه من الحقوق والواجبات؛ ولذلك تختلف بعض الأحكام الشرعية بحسب طبيعة كل جنس، مع بقاء أصل الكرامة الإنسانية محفوظًا للجميع.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما النساء شقائق الرجال) رواه أبو داود؛ أي: نظائرهم في الأحكام العامة والتكليف والكرامة الإنسانية.
أيها المؤمنون: لقد أعطى الإسلام المرأة حقها قبل أن تعرف المواثيق الحديثة كثيرًا من تلك الحقوق، فمنحها حق الإرث، بينما كانت بعض الأمم تحرمها من المال كله، قال تعالى: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ} [النساء: 7].
ومنحها حق التملك والتصرف في مالها، فلا يجوز لأحد أن يأخذ شيئًا من مالها بغير رضاها، قال الله تعالى: {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا} [النساء: 4].
كما أمر الإسلام بالإحسان إلى النساء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (استوصوا بالنساء خيرًا) متفق عليه. وقال عليه الصلاة والسلام: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي) رواه الترمذي.
فأين هذا الهدي العظيم ممن يظلم المرأة، أو يهينها، أو يحرمها من حقوقها، أو يعتدي عليها بالقول أو الفعل؟! إن الظلم الواقع على بعض النساء في بعض البيئات لا يُنسب إلى الإسلام، وإنما يُنسب إلى الجهل والتقصير وسوء التطبيق.
أيها المسلمون: إن من أعظم صور تكريم الإسلام للمرأة أنه جعل برَّ الأم مقدمًا على غيرها من الناس بعد حق الله ورسوله. جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: (أمك)، قال: ثم من؟ قال: (أمك)، قال: ثم من؟ قال: (أمك)، قال: ثم من؟ قال: (أبوك) متفق عليه.
فتأملوا كيف كرر النبي صلى الله عليه وسلم حق الأم ثلاث مرات؛ لما تتحمله من الحمل والولادة والرضاعة والتربية والسهر والتعب. وقال الله تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ ۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ} [لقمان: 14].
كما حفظ الإسلام للمرأة كرامتها وعفتها، فشرع الحجاب صيانةً لها لا امتهانًا، وحفظًا لها لا حبسًا، قال تعالى: {ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ} [الأحزاب: 59]. والحجاب في الإسلام عبادة وطاعة وشرف، وليس رمزًا للتخلف كما يزعم أعداء الدين.
معاشر المؤمنين: إن كثيرًا من الدعوات المعاصرة التي تُرفع باسم "تحرير المرأة" لا تريد في حقيقتها كرامة المرأة ولا سعادتها، وإنما تريد إخراجها من عفافها، وإضعاف الأسرة، وتحويل المرأة إلى سلعة للدعاية والشهوة والاستهلاك.
فكم من امرأة استُغلت باسم الحرية! وكم من أسرة تفككت بسبب دعاوى الانفلات! وكم من أطفال ضاعوا بسبب التمرد على الفطرة والدين!
الإسلام لا يمنع المرأة من التعليم النافع، ولا من العمل المباح الذي تحتاجه الأمة، إذا روعيت الضوابط الشرعية، بل قد كانت النساء في عهد النبي صلى الله عليه وسلم يتعلمن، ويعلمن، ويشاركن فيما ينفع المجتمع والأمة، مع حفظ الحياء والعفة والالتزام بأوامر الله.
وقد جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: غلبنا عليك الرجال، فاجعل لنا يومًا، فجعل لهن يومًا يعلِّمهن فيه، كما في الصحيحين. وهذا دليل على اهتمام الإسلام بتعليم المرأة وتثقيفها.
عباد الله: إن المرأة الصالحة أساس صلاح المجتمع، فإذا صلحت المرأة صلح البيت، وإذا صلح البيت صلح المجتمع. ولهذا حرص الإسلام على بناء المرأة المؤمنة العفيفة، التي تعرف حق ربها، وحق زوجها، وحق أولادها، وحق نفسها، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة) رواه مسلم.
أيها المسلمون: ومن الظلم أيضًا أن تُمنع المرأة من حقوقها الشرعية باسم العادات والتقاليد، فبعض الناس يمنعون المرأة من الميراث، أو يكرهونها على الزواج، أو يعضلونها عن الأكفاء، وكل ذلك منكر عظيم، قال الله تعالى: {فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ} [البقرة: 232].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تُنكح الأيم حتى تُستأمر، ولا تُنكح البكر حتى تُستأذن) متفق عليه.
فاتقوا الله عباد الله، وأعطوا النساء حقوقهن التي شرعها الله، لا إفراطًا يخرج عن الدين، ولا تفريطًا يوقع في الظلم والجور.
أيها المسلمون: إن الإسلام دين العدل والرحمة، أعطى كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، فلا يظلم الرجلَ ولا المرأة، بل جعل العلاقة بينهما قائمةً على المودة والرحمة والتعاون، قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم: 21].
فتمسكوا بدينكم، واعرفوا محاسن شريعتكم، واحذروا من الشبهات الخداعة والشعارات البراقة، واعلموا أن الخير كل الخير في اتباع هدي الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب؛ فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، أحمده سبحانه وأشكره على نعمه الظاهرة والباطنة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبدُه ورسولُه، إمام المتقين، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
عباد الله: اتقوا الله واعلموا أن من تمام تقوى الله إقامة العدل في البيوت والمجتمعات، والقيام بحقوق النساء كما أمر الله تعالى، بعيدًا عن الظلم والجفاء، وبعيدًا كذلك عن دعاوى الانحلال والتفلت من أحكام الدين.
معاشر المؤمنين: لقد سمعتم كيف كرَّم الإسلام المرأة، وأعطاها حقوقها، وجعل لها مكانةً عظيمةً في الأسرة والمجتمع، أمًّا كانت أو زوجةً أو بنتًا أو أختًا. وإن الواجب على المسلمين اليوم أن يُظهروا هذا العدل الرباني بأفعالهم وأخلاقهم، حتى يرى الناس جمال هذا الدين وكماله.
فأحسنوا إلى نسائكم، وربوا بناتكم على الإيمان والعفة والحياء، وعلموهن العلم النافع، وكونوا قدواتٍ في الرحمة والرفق والإحسان. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا، وخياركم خياركم لنسائهم) رواه الترمذي.
ثم صلوا وسلموا على من أمركم ربكم بالصلاة والسلام عليه فقال: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56].
المقالات

