الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ابتليت بالعادة السرية بسبب كلام أبي وإهمال أهلي لي!

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا فتاةٌ أبلغ من العمر 19 سنة، وقد بدأتُ بممارسة العادة السرية بعد البلوغ، في سنٍّ يقارب الثانية عشرة، وذلك بسبب الكلام البذيء الذي كنتُ أسمعه من أبي؛ إذ كان يتكرر يوميًا على مسامعي، وهذا ما دفعني للبحث، فبدأتُ بمشاهدة الصور، ثم الفيديوهات، ثم ممارسة العادة.

وخلال السنوات الثلاث الأولى، لم أكن أعلم أن اسمها "العادة السرية"، ولا أنها محرّمة، لكنني كنت أشعر بالذنب، خاصة بسبب المشاهد التي كنت أشاهدها.

أعلم تمامًا أن ما أفعله أمرٌ محرّم، وأحتقر نفسي، وأعترف بذنبي، وأدرك أن هذا الأمر يؤثر في حياتي كلها؛ فعندما أدمنها فترةً شعرت بتراجعي الدراسي، وتقلب مزاجي، وأصبت باكتئاب، وأصبحت أُكثر من النوم، وضعفت علاقتي بالله، وأحسست بقسوة في قلبي، وأنه لا شيء يؤثر فيه.

والشيء الذي يؤلمني أنني أعلم أنني لست بحاجة إليها، وأستطيع تركها؛ فعندما كنتُ في البكالوريا تركتها قرابة سبعة أشهر، كنت أسمع كلامًا بذيئًا وأصارع تخيلاتي، لكنني كنت أعلم أنني لو مارستها لن أتمكن من التركيز في دراستي، فكنت أبتعد عنها.

ومنذ أسبوعين كنتُ متوقفة عنها بسبب امتحاناتي الجامعية، لكنني عندما أتركها، أتركها لأجل أمرٍ دنيوي، لا لأجل الله، وهذا ما يؤلمني، لا أستطيع أن أتركها لأجل الله، فماذا أفعل؟

وقد توقفتُ عن مشاهدة المواد الإباحية، لكنها لا تزال عالقةً في مخيلتي، ولا أستطيع التخلص منها، ووالله إنني لأستحي من كرم الله؛ فعلى الرغم من معصيتي يلطف بي، فالحمد لله، أكرمني بعلامات ممتازة في البكالوريا، ودخلتُ السنة التحضيرية للكليات الطبية، وهي أيضًا سنة مصيرية، لكنني للأسف لم أوفَّق في امتحانات الفصل الأول. ولا أعلم ما الذي يحدث لي؛ ففي كل مرة أعاهد الله ألا أعود، أعود!

والمشكلة أنني عندما أتوب أنقطع عنها شهرًا أو أكثر، لكن عندما أعود أمارسها قرابة خمس مرات، ولديَّ سؤال: هل يُحاسَب أبي لأن كلامه كان أول سبب دفعني إلى هذه الأمور؟ وكذلك لديَّ هاتف منذ أن كان عمري 11 سنة، ولم يكن أحد يراقبه؛ فأمي متوفاة، وأبي لا يراقب الهاتف، ولا حتى زوجة أبي، فهل يُحاسَبون بسبب عدم اهتمامهم؟

يوجد في قلبي غصّة وألم، ولا أجد أحدًا أتحدث معه في هذا الموضوع ليساعدني، فقد تعبت، ودائمًا أفكر: لماذا أعطاني أهلي الهاتف وأنا صغيرة، وتركوا لي الحرية؟ فأنا عالقة في دوّامة بسبب تقصيرهم، لا أبرر لذنبي، لكن عدم اهتمامهم كان سببًا فيما أنا فيه الآن، لذلك لجأتُ إلى موقعكم لعلّكم تساعدونني.

جزاكم الله خيرًا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ عبدة لله حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نشكركِ لتواصلكِ معنا وثقتكِ بموقعنا.

أختي الكريمة، لقد قرأنا رسالتكِ بتأمل واهتمام بالغَين، ووجدنا فيها قلبًا صادقًا يتألم ويبحث عن النور، وروحًا حساسة تشعر بثقل ما تمر به وتريد الخروج من هذا النفق، وما شعرتِ به من حرج وهو يدفعكِ للكتابة والبوح هو بحد ذاته علامة خير؛ لأن من لا يشعر بالذنب لا يبحث عن التوبة.

أولًا: فهمنا من رسالتكِ أنكِ لم تبدئي هذا الطريق بمحض إرادتكِ في سن التمييز الكامل، بل كانت البيئة المحيطة - الكلام البذيء الذي تسمعينه يوميًّا- هي التي دفعتكِ إلى البحث عن مخرج نفسي، ووجدتِ ما وجدتِ، هذا لا يرفع المسؤولية عنكِ بعد أن عقلتِ وفهمتِ، لكنه يعني أنكِ كنتِ في موقع ضحية قبل أن تكوني في موقع مخطئة، وهذا فارق جوهري مهم أن تستوعبيه في نفسكِ حتى تتعاملي مع نفسكِ بعدالة لا بقسوة مفرطة.

ثانيًا: سؤالكِ الأعمق؛ كيف أترك هذه العادة لأجل الله؟
هذا السؤال هو أجمل ما في رسالتكِ وأشجعك عليه، فأنتِ لا تقتنعين بمجرد الانقطاع، بل تريدين الانقطاع الحقيقي المبني على المحبة والتعظيم لله، وهذا المستوى من الوعي الروحاني نعدّه هبة من الله لكِ.

الجواب العملي هو: لا تنتظري أن يأتي الإخلاص كاملًا قبل أن تتوبي، بل ابدئي بالتوبة حتى وإن كانت ناقصة، ثم اطلبي من الله أن يمنحكِ الإخلاص؛ فإن المشاعر تتبع الأفعال في الغالب، فمن تاب وصبر وتعبّد وجد قلبه يتعلق بالله شيئًا فشيئًا، ولذلك يقول العلماء: "صدق العزم شرط للتوبة"، وليس شرطها أن تكون قلوبنا كاملة الإنابة من اللحظة الأولى، فإن الله عز وجل يقول: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}، وكما قال النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ».

ثالثًا: ما تصفينه من تكرار الوقوع بعد التوبة هو ما يسميه المختصون دورة الإدمان، وهي آلية نفسية معروفة لا تعني ضعف الإرادة بالضرورة، بل تعني أن الطريق يحتاج إلى أدوات خاصة، وهذا لا يعني أن حالكِ ميؤوس منها، بل يعني أنكِ تحتاجين إلى استراتيجية مختلفة.

من الأمور التي ستعينكِ بإذن الله:
1. تحديد المحفزات بدقة، فأنتِ وصفتِ أن الكلام البذيء من أبيكِ كان الشرارة الأولى، وقد يظل هذا المحفز فاعلًا حتى اليوم، عليكِ بتطوير خطة للتعامل مع هذه اللحظات تحديدًا، كأن تغادري المكان، أو تضعي سماعات أذن، أو تنشغلي بالذكر فور سماع ما يؤلمكِ.

2. استبدال السلوك لا مجرد قمعه، فالنفس إذا منعتَها من شيء احتاجت بديلًا، فحاولي أن تجدي نشاطًا يستوعب طاقتكِ في لحظات الوسوسة، كالقراءة أو الخروج أو الاتصال بصديقة.

3. بناء حياة روحية منتظمة لا مجرد توبة طارئة، فالصلاة في وقتها، والاستغفار، والورد اليومي من القرآن؛ تَبني حاجزًا روحيًّا يجعل الوقوع أصعب، وقد قال الله تعالى: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ}.

4. التعامل مع الذكريات العالقة في مخيلتكِ، وهذا أمر يحتاج إلى صبر وتدريج، فكلما خطر في ذهنكِ شيء مما رأيتِ، استعيذي بالله فورًا، وانتقلي إلى نشاط آخر، دون أن تحاربي الصورة مباشرة، فإن المحاولة لطرد الأفكار بالمواجهة المباشرة تزيدها، أمَّا الانصراف عنها ينقصها.

5. ألَّا تيأسي من العودة بعد الوقوع، فكل مرة تعودين فيها إلى الاستغفار هي انتصار، وكل توبة تُقبَل حتى لو تكررت، ففي الحديث الشريف: «أَذْنَبَ عَبْدٌ ذَنْبًا فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، فَقَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي» وذلك لمن تاب ولم يُصرّ.

رابعًا: سؤالكِ بشأن مسؤولية أبيكِ وأهلكِ سؤال شرعي دقيق، والذي يمكننا قوله بشكل عام هو: إن الوالدين مسؤولان أمام الله عن تربية أبنائهم وحمايتهم، يقول النبي ﷺ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ»، ومن أهمل رعاية طفله وترك له ما يضره دون رقابة، فإنه يتحمل قدرًا من المسؤولية أمام الله، أمَّا حساب الأب على كلامه البذيء فهذا أمر بين الله وبينه، وليس عليكِ أن تحملي هذا الثقل في قلبكِ.

لكن نريد أن ننبهكِ إلى أمر مهم جدًّا: إن استمراركِ في ربط مشكلتكِ بذنب أبيكِ وتقصير أهلكِ -وإن كان له أصل حقيقي- قد يصبح عائقًا نفسيًّا يمنعكِ من الشفاء؛ لأن الشفاء يحتاج منكِ أن تتحمّلي زمام أمركِ اليوم بيدكِ، بصرف النظر عمَّن أوصلكِ إلى هذا؛ فإن الماضي كان له أسبابه، إلَّا أن المستقبل بيدكِ أنتِ.

خامسًا: نوصيكِ بإيجاد متخصصة نفسية لتتحدثي معها، ليس لأن حالكِ خطير، بل لأن ما تعانين منه يحتاج إلى مرافقة متخصصة تساعدكِ على كسر دورة الإدمان، وعلى التعامل مع الصور العالقة في الذاكرة، وعلى شفاء الجروح القديمة المرتبطة ببيئتكِ الأسرية، ولا يوجد في طلب المساعدة أي عيب أو ضعف، بل هو قرار الشجاعة والإرادة.

سادسًا: أختي الكريمة، من تأمل رسالتكِ رأى فتاة تدرس الطب وتحمل في صدرها حمل جبل، ومع ذلك تمضي، فأنتِ مَن حفظتِ دراستكِ سبعة أشهر بإرادتكِ فقط، وهذا دليل على أن فيكِ قدرة حقيقية، والله الذي أكرمكِ بالنجاح في البكالوريا يعلم ما في قلبكِ من صدق، وهو أرحم بكِ من نفسكِ.

قال ابن القيم رحمه الله: "الذَّنبَ قد يكونُ أنفعَ للعبدِ إذا اقترنت به التوبةُ من كثيرٍ من الطاعاتِ، وهذا معنى قولِ بعضِ السلفِ: قد يعملُ العبدُ الذنبَ فيدخلُ به الجنةَ، وقد يعملُ الطاعةَ فيدخلُ بها النارَ، قالوا: وكيف ذلك؟ قال: يعمل الذَّنبَ فلا يزال نُصْبَ عينيه، إن قام وإن قعد وإن مشى، كلما ذكَره أحدَثَ له توبةً واستغفارًا وندمًا، فيكونُ ذلك سببَ نجاته، ويعملُ الحسنةَ؛ فلا تزال نُصْبَ عينيه، إن قام وإن قعد وإن مشى، كلَّما ذكرها أورثته عُجْبًا وكِبْرًا ومِنَّةً، فتكون سببَ هلاكه".

فالعبد إذا أذنب وجاء نادمًا مستغفرًا كان حاله بعد الذنب والتوبة أحسن من حاله قبله في بعض الاعتبارات، وفي معنى الصمود رغم الثقل يقول الشاعر:
صَبَرْتُ عَلَى مَا لَا يُطَاقُ مِنَ الْأَلَمِ *** وَمَا زِلْتُ أَرْجُو رَحْمَةَ اللَّهِ فِي الْقِدَمِ

نسأل الله أن ييسر أمركِ، وأن يشرح صدركِ، وأن يهديَكِ سواء السبيل.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً