الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أريد الزواج بفتاة كانت تتحدث عن شاب غيري وأخشى المستقبل!

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
جزاكم الله خيرًا، وتقبّل منكم دائمًا يا أحبتي.

أودّ أن آخذ رأيكم في أمر، وهو في الوقت نفسه سؤال: هناك فتاة أحبها، وأنوي -بإذن الله- أن أخطبها وأتزوجها.

هذه الفتاة في مثل سني، ومن نفس البلدة، وأعرفها منذ زمن، إذ كنت أراها فقط، وقد علمتُ أنها في الصف الأول الثانوي، أخبرها بعض أصدقائها بأن هناك شابًا يحبها، وبعد ذلك بدأت تتحدث مع صديقتها عن هذا الشاب بكلام طفولي لا معنى له، مثل أن تقول: "نخرج أنا وفلان"، وكان هذا مجرد كلام بينها وبين صديقتها، وهي تعلم أن هذا الكلام لن يصل إليه، وكانت تقول أيضًا: "هذا الشاب وَقَفَ مع أخي، وأنا كنت وقتها مع أخي، وهو يعرفني، والله" ونحو ذلك من الكلام، وذلك لأن أحدهم قال إنه لا يعرفها. كما كانت تتفاعل مع أخواته على مواقع التواصل الاجتماعي ليلفتن نظره، وقد حدث هذا الأمر منذ ثلاث سنوات.

المهم أنني مؤخرًا صار بيني وبينها تواصل، فأخبرتُها أنني أعلم كل ما سبق، فقالت: إن ذلك كله كان كلام صغار، ولم يكن فيه أي مشاعر أو شيء من هذا القبيل، وأنها لا تعرف كيف كانت تفكِّر بهذا الشكل، وأنه لم يكن هناك أي شيء حقيقي، وأنا في الحقيقة واثق أنه لم يكن هناك شيء من ناحيتها، وهذه الفتاة قد تغيّر تفكيرها ونضجت، وأنا متأكد من ذلك إن شاء الله.

لكن تبقى لديّ مشكلة: كلما قلت إن الأمر عادي، وأنها كانت صغيرة، ونحن جميعًا نخطئ، وأنه لم يكن في بالها شيء، أعود فأفكر في المستقبل، أي بعد الخطبة والزواج، وأقول: ما الذي يضمن لي أن أبقى على هذا التفكير؟ خاصة أن لديّ شيئًا من الوسواس، ولا أدري هل أسميه وسواسًا أم لا، فأفكِّر مثلًا: لو كنا نسير أنا وهي، ورأينا ذلك الشاب في الطريق، كيف سيكون رد فعلي عندما نعود إلى البيت؟ وهكذا من الأفكار.

فأفيدوني جزاكم الله خيرًا: هل أستمر في السعي للزواج منها، أم أبتعد، مع أنني أعلم يقينًا أن تفكيرها قد تغيّر، لكن حديثي عن نفسي أنا؟

جزاكم الله كل خير.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمود حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

دعني أبدأ مع آخر ما وصفت به نفسك، وهو أنك ذكرت أن لديك ما يشبه الوسوسة في تفكيرك، هذه النقطة سلبية وإيجابية في نفس الوقت! فهي سلبية من حيث وجودها فيك وآثارها عليك، ولكن الشيء الإيجابي هو إدراكك ومعرفتك واعترافك بها، ففهمنا لأنفسنا يساعدنا بشكل كبير على تقييم المواقف التي نمر بها، وتقييم ردات فعلنا تجاهها.

نعود الآن إلى الموضوع الرئيسي:
من الواضح تمامًا أنك تدرك أن ما نقلته عن هذه الفتاة من كلمات كانت تقولها لصديقاتها عن ذلك الشاب؛ إنما هي كلمات عابرة لا قيمة لها في تغيير قرارك بالارتباط بها، ولا تدل على شيء ما في نفسها تجاهه؛ ولذلك من الطبيعي ألَّا تلتفت إليها، ولا تعتبرها موانع حقيقية تجاه من ترغب في الارتباط بها، ومثل هذه الكلمات هي ممَّا يكثر وروده في مثل هذه الأعمار من الجنسين؛ وخاصة في مثل هذا السن، وليس هذا إقرارًا وتسويغًا لذلك، وإنما توصيفًا للواقع الذي أنت أدرى به باعتبارك في نفس المرحلة العمرية.

ولكن مما أحب لفت انتباهك إليه في موضوعك الأمور التالية:
1. بقاء الوسوسة، أو لنقل هذه الطريقة في التفكير لديك؛ تعني أن قابليتك للوقوع في إشكاليات مع الطرف الآخر من هذا النوع هي قابلية عالية، ولن تتوقف على ما تفضلت به من مثال، فأي موقف فيه أدنى مجال للريبة والشك فستجد نفسك تميل إليه؛ وهذا يعني المزيد من المتاعب لك ولها، ولذلك لا بد أن تعمل على نفسك في هذا الجانب.

2. فلنفترض جدلًا أنها بالفعل فكرت فيه؛ فأين المشكلة في ذلك!؟ بما أنه لم يصدر منها أي سلوك ولا تعلق ولا خطوات متبادلة، وبما أنها مقبلة عليك ومقتنعة بك رغم وجوده؛ فهذا يعني أنه لا شيء في قلبها تجاهه، ولو كان في قلبها شيء تجاهه لما وافقت عليك.

أقول هذا الكلام ليس لكوني مقتنعًا بأن ذلك الكلام صدر منها بشكل جاد بالفعل، وإنما لنصل بالأمور إلى منتهاها، ونكون أكثر واقعية ولا نخوض في أخذ ورد في إثبات أو نفي وهم ما.

3. ما ذكرتُه لك من أن الموقف السابق لها مع ذلك الشاب لا يستحق منك صرف النظر عنها هو رأيي بشكل عام، ولكن يبقى أن وجود عامل خارجي لديك، وهو الشك الزائد أو الوسوسة كما وصفت؛ فإن هذا لا شك يضعك أمام تحدٍّ، وقد يجعلك تتوتر مع كل موقف يُحيي لديك ذلك الشك، ومع ذلك فإن المشكلة هنا ليست في البحث عن النقاء الكامل فيمن هم أمامك، وإنما في مراجعة نفسك ومعالجتها؛ حتى لا تتكرر تلك المتاعب بصور أخرى وتحت ذرائع مختلفة.

4. من المهم أن نخضع مشاعرنا وشكوكنا لمرجعية شرعية فلا نجعلها كيفما اتفق؛ فالظن يتحول لإثم إن لم يكن عن غلبة الأسباب المبررة له، وكذلك الحال في الغيرة؛ فقد جاء عَن النَّبِي ﷺ أنه قَالَ: «إِنَّ مِنَ الْغَيْرَةِ مَا يُحِبُّهَا اللَّهُ، وَمِنَ الْغَيْرَةِ مَا يَكْرَهُهَا اللَّهُ، فَالْغَيْرَةُ الَّتِي يُحِبُّهَا اللَّهُ الْغَيْرَةُ فِي الرِّيبَةِ، وَالْغَيْرَةُ الَّتِي يَكْرَهُهَا اللَّهُ الْغَيْرَةُ فِي غَيْرِ رِيبَةٍ، وَإِنَّ مِنَ الْخُيَلَاءِ مَا يُحِبُّهَا اللَّهُ، وَمِنَ الْخُيَلَاءِ مَا يُبْغِضُهَا اللَّهُ، فَالْخُيَلَاءُ الَّتِي يُحِبُّهَا اللَّهُ اخْتِيَالُ الرَّجُلِ نَفْسَهُ عِنْدَ الْحَرْبِ، وَعِنْدَ الصَّدَقَةِ، وَالْخُيَلَاءُ الَّتِي يُبْغِضُهَا اللَّهُ اخْتِيَالُ الرَّجُلِ فِي الْبَغْيِ وَالْفَخْرِ».

وغدًا في حياتك الزوجية ستقابل الكثير من المواقف التي ستحتاج منك إلى تفهم أكبر، وعدم الجنوح إلى التفسير الحاد المؤذي لك ولمن هو أمامك.

5. أخيرًا، ورغم كل ما ذكرته لك سابقًا: فإن كنت غير قادر على دفع ما تفضلت به من أفكار وشكوك تجاه هذه الفتاة؛ فلا داعي للتقدم لخطبتها، ليس لكون شكوكك وجيهة، ولكن لكونك ستقع تحت أسر هذه الشكوك وستجعل علاقتك معها في متاعب متتابعة، وهذا لا يعني أنك ستسلم مع غيرها من مثل هذه الشكوك، فنقطة البدء كما أخبرتك هي أنت -أخي-، وليس الطرف المقابل لك.

أسأل الله أن يسددك لكل خير، والله أعلم.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً