الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

غششت في الامتحان وتبت لكن الشك يراودني بعدم صحة توبتي!

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

لقد عقدتُ العزم على ألا أغشَّ في امتحانات السنة الأخيرة من الثانوية العامة، ولكنني ضعفتُ في مادة واحدة وغششتُ في بعض الأسئلة لأتمكن من النجاح فقط، وبالفعل نجحتُ بصعوبة.

وعند عودتي من الامتحان، بحثتُ عن حكم الغش، ومع أنني كنتُ أعلمُ مسبقاً أنه محرّم، إلا أنني أردتُ التأكد من تبعات ذلك الحكم وتفاصيله، لقد اتضح لي أن هذا الفعل يُعدُّ مظلمةً في حق الآخرين، وبعد بحثٍ طويل في مسألة حقوق العباد، أدركتُ حجم الظلم الواقع عليهم، وأنه لا مغفرة في ذلك لكونه حقاً من حقوق الآدميين التي لا تسقط إلا بمسامحتهم.

لقد شعرتُ بندمٍ شديدٍ وتبتُ في يومِ الامتحانِ نفسِه، وفي اليومِ التالي بلغت بي شدةُ لومي لنفسي وتأنيبِ ضميري أنني تعمدتُ إخطاءَ نفسي في الإجاباتِ حتى رسبتُ في المادة، ويوم ظهور النتائج، تبيّن أنني حصلتُ في المادة التي غششتُ فيها على درجةٍ تزيدُ عن نصف الدرجة الكلية بأربع درجات، أما المادة التي تعمدتُ الرسوب فيها فقد رسبتُ فيها فعلياً كما أردتُ.

وفي يوم إعادة هذه المادة، أي بعد ظهور النتائج بشهر كامل، تقدمتُ للامتحان وأنا أعلمُ تماماً أنني لن أحصل إلا على نصف الدرجة فقط كحدٍ أقصى (بسبب قوانين الإعادة)، وطوال ذلك الشهر لم أذاكر أبداً، ولم أفتح كتاباً إلا في ليلة الامتحان فقط.

وقد حصلتُ بالفعل على نصفِ الدرجةِ فقط، ونجحتُ بالحدِّ الأدنى في هذه المادة، وحصلتُ في النهاية على معدلٍ دراسيٍ منخفضٍ جعلني ألتحقُ بقسمِ التربيةِ الإنجليزية.

لقد كنتُ صادقةً ولم أغشَّ في أي مادةٍ سوى تلك المادة الوحيدة، وكنتُ أتمنى لو أن هناك مواداً أخرى متبقية لأتعمد الرسوب فيها أيضاً تكفيراً عن ذنبي، ولكنها كانت المادة الأخيرة.

والآن، بعد كل ما حدث، قد مرّ حوالي سبعة أشهر منذ دخولي الكلية، وما زلتُ عاجزةً عن الدراسة أو الرغبة فيها؛ إذ يراودني شعورٌ قاتل بأن هذا ليس مكاني، وأنه ربما كان حقاً لشخصٍ آخر، أو حتى لآلاف الأشخاص، لا أدري إن كنتُ قد ظلمتُ فرداً واحداً بأخذ مكانه، أم أنني ظلمتُ المئات؛ كون الامتحان كان على مستوى الدولة بأكملها.

أنا في حيرة شديدة، فالندم والألم يمزقانني، لدرجة أنني أشعر بالعجز في دراستي، كنتُ أتمنى أن أنجح وأعوض ما تسببتُ به من أذى للآخرين، ولكنني أشعر بالشلل والعجز التام عن المضي قدماً.

تراودني رغبةٌ عارمةٌ في التوبة، وقد تبتُ سابقاً مراراً وتكراراً، إلا أن الشكَّ يراودني دائماً في صحة توبتي.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ حبيبة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلًا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يشرح صدرك، وأن يقبل توبتك، وأن يبدل همّك طمأنينة، ويجعل ندمك رفعة لك لا ثقلًا عليك، وأن يفتح لك باب العلم النافع والعمل الصالح، ودعينا نجيبك من خلال ما يلي:

1- ما تشعرين به من ندم وألم علامة حياة قلب لا علامة هلاك، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم «النَّدمُ توبة»، فاجتماع الندم مع ترك الذنب وعزم عدم العودة هو عين التوبة المقبولة -بإذن الله-.

2- الغش محرّم بلا شك، وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَن غشنا فليس منّا»، لكن الشريعة لا تُغلق باب الرجوع، بل تفتحه على مصراعيه، قال تعالى: (وَهُوَ الَّذي يَقبَلُ التَّوبَةَ عَن عِبادِهِ وَيَعفو عَنِ السَّيِّئاتِ).

3- ما وقع منك كان في مادة واحدة وبقدرٍ محدود، وليس استيلاء على حقٍ معيّن معلوم لشخص بعينه، فاعتبار الأمر مظلمةً محددة لآلاف الناس على هذا الوجه فيه مبالغة تُتعبك ولا يُبنى عليها حكم عملي.

4- ما فعلته بعد ذلك من تعمد الرسوب ومعاودة الامتحان وتحمل النقص في الدرجة -وإن لم يكون واجبًا عليك- إلا أنه دليل على توبة عملية قوية، بل فيها مجاهدة للنفس قلّ من يقدر عليها، وهذا يدل على صدقك لا على فسادك.

5- لا يلزمك شرعًا أن تُسقطي نفسك أو مستقبلك بسبب هذا الذنب؛ لأن التوبة تمحو ما قبلها، قال تعالى: (إِلّا مَن تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا فَأُولئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِم حَسَناتٍ).

6- الشك المتكرر في صحة التوبة من وساوس النفس والشيطان؛ لأنه يريد أن يحرمك من طمأنينة القبول، فإذا تحققت شروط التوبة:
• الإقلاع عن الذنب.
• الندم عليه.
• العزم على عدم العودة.
فلا تلتفتي بعد ذلك للشك.

7- شعورك أن هذا المكان ليس لك، أو أنك أخذت حق غيرك، هو امتداد لنفس الوسواس، وليس حكمًا شرعيًا؛ لأن القبول في الكليات لا يقوم على سؤال واحد، بل على منظومة كاملة، فلا تُحمّلي نفسك ما لا يلزم.

8- تعطلك عن الدراسة الآن ليس من التقوى، بل من أثر جلد الذات، والتقوى الحقيقية أن تستقيمي وتُحسني فيما أنت فيه، قال تعالى: (وَأَحسِنوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُحسِنينَ).

9- المطلوب منك الآن خطوات عملية:
• إغلاق ملف الماضي وعدم إعادة تحليله.
• البدء التدريجي في الدراسة.
• وضع أهداف صغيرة قابلة للتحقيق.
• مكافأة نفسك عند الالتزام.
فالتقدم البسيط المستمر أفضل من التوقف الكامل.

10- اجعلي نيتك في دراستك الآن تعويضًا صالحًا:
• أن تتعلمي لتنفعي غيرك.
• أن تُتقني عملك.
• أن تكوني سببًا في الخير.
فبهذا يتحول الماضي إلى دافع لا عائق.

11- من العلاج المهم أن تكثري من الأعمال الصالحة:
• صدقة.
• مساعدة.
• تعليم.
فإن الحسنات تُذهب أثر السيئات، قال تعالى: (إِنَّ الحَسَناتِ يُذهِبنَ السَّيِّئاتِ).

12- لا تطلبي الكمال في التوبة، بل الصدق فيها؛ فالتوبة ليست شعورًا دائمًا بالبكاء، بل استقامة هادئة بعد الذنب.

13- إذا عاد إليك الخاطر فقولي لنفسك:
• لقد تبتُ وانتهى الأمر.
• والله يقبل التوبة.
• ولن أفتح هذا الباب مرة أخرى.
ثم اشغلي نفسك مباشرة.

14- تذكري أن الله أرحم بك من نفسك، فلا تعاملي نفسك بقسوة لم يفرضها الله عليك، قال تعالى: (رَبُّكُم أَعلَمُ بِما في نُفوسِكُم)، فالمطلوب إصلاح النية ثم المضي للأمام.

وفي الختام: نسأل الله أن يشرح صدرك، وأن يقبل توبتك، وأن يرزقك العلم النافع، وأن يجعل ما مررت به بداية صلاح لا سبب تعثر، والله ولي التوفيق.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً