الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

هل الشعور بالتنميل من أعراض الاستجابة للرقية؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

سؤالي هو: إنني كلما استمعتُ إلى رقية الأقدام، شعرت بتنميل، أو ألم، أو حرارة تخرج منهما، مع العلم أن أموري، حتى الآن، معطلة ومعسرة، فهل يعني هذا أنني مصابة بسحرٍ مرشوش؟

أرجو منكم الإجابة، وشكرًا لكم على جهودكم، وأسأل الله العلي القدير أن يتقبلها منكم، ويعينكم على المزيد من العطاء لهذه الأمة.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ حنان حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكِ -أختنا الكريمة- في موقعك استشارات إسلام ويب، وردًّا على استشارتك أقول، مستعينًا بالله تعالى:

تشخيص الإصابة بالسحر، والعين، والحسد، من الأمور الظنية التي لا يجوز الجزم بها، بخلاف التشخيص الطبي؛ فإنه دقيقٌ جدًّا؛ لأنه مبني على أمورٍ يقينية، كالكشوفات والتحاليل.

ولهذا، فلا يمكن الجزم بأن التنميل، أو الحرارة، أو الألم الذي تشعرين به عند سماع الرقية، دليلٌ على الإصابة بالسحر؛ فهذه الأعراض قد يكون لها أسبابٌ نفسية، أو عصبية، أو عضوية، وقد تكون استجابةً عارضةً لا تدل على إصابةٍ معينة، كما أن تعسر الأمور وحده ليس دليلًا على السحر، فالابتلاء سنةٌ ماضيةٌ في حياة المؤمنين، قال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ}، وقال سبحانه: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ}.

احذري من ربط كل عرض، أو كل تعثرٍ في الحياة، بالسحر؛ فإن ذلك قد يفتح باب الوساوس، ويصرف الإنسان عن الأخذ بالأسباب المشروعة، يقول النبي ﷺ: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَلَا تَعْجِزْ»، ومن الحرص على ما ينفع، العمل بالأسباب، كأن تعرضي نفسك على طبيبٍ مختص، ففي الحديث: «مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ دَاءٍ إِلَّا وَأَنْزَلَ لَهُ دَوَاءً».

عليكِ بالرقية الشرعية؛ فهي سببٌ من أسباب الشفاء بإذن الله، فالقرآن شفاءٌ للمؤمنين، سواءٌ كان البلاء سحرًا، أو عينًا، أو مرضًا نفسيًّا، أو عضويًّا بإذن الله، قال تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ}، لكن حصول تنميل، أو حرارة، أو بكاء، أو غيرها أثناء الرقية، لا يثبت وجود السحر، ولا يحدد نوعه.

اقرئي على نفسك سورة الفاتحة سبع مرات، وآية الكرسي ثلاث مرات، وسور الإخلاص والفلق والناس سبع مرات، والآيتين الأخيرتين من سورة البقرة ثلاث مرات، وآية: {مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ} سبع مرات صباحًا ومساءً، وكذلك من الأدعية النبوية: «اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ، أَذْهِبِ الْبَأْسَ، وَاشْفِ أَنْتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا».

إذا استمر الألم، أو التنميل، خارج وقت الرقية، أو كان شديدًا، أو متكررًا، فمن المناسب مراجعة طبيبٍ مختص؛ فقد يكون له سببٌ طبيٌّ يحتاج إلى علاج، ولا يتعارض ذلك مع التوكل على الله، قال النبي ﷺ: «تَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً».

داومي على الأذكار، والرقية الشرعية، وآية الكرسي، وسور الإخلاص والفلق والناس، والإكثار من قراءة سورة البقرة، مع الإلحاح بالدعاء والاستغفار، قال النبي ﷺ: «اقْرَؤُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ، فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ، وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ، وَلَا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ»، وقال ﷺ: «مَنْ قَرَأَ بِالْآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ».

الزمي الاستغفار، وأكثري من الصلاة على النبي ﷺ؛ فذلك من أسباب تفريج الهموم، وتنفيس الكروب؛ ففي الحديث: «مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ»، وقال لمن قال له: أجعل لك صلاتي كلها؟: «إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ، وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ».

أكثري من دعاء ذي النون، فقد ورد في الحديث: «دَعْوَةُ ذِي النُّونِ؛ إِذْ دَعَا بِهَا فِي بَطْنِ الْحُوتِ: {لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}، فَإِنَّهُ لَنْ يَدْعُوَ بِهَا مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ إِلَّا اسْتُجِيبَ لَهُ».

وعليكِ بدعاء الكرب، وهو: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَرَبُّ الْأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ».

لا تجعلي البحث عن سبب التعثر يشغلك عن السعي في إصلاح واقعك، والدعاء، والأخذ بالأسباب؛ فكم من أمورٍ تتيسر بتقوى الله، وحسن التوكل عليه، قال تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ}.

والخلاصة: لا يمكن اعتبار هذه الأعراض دليلًا على الإصابة بالسحر، ولا يوجد في الكتاب، أو السنة الصحيحة، ما يدل على أن الشعور بالألم، أو التنميل، أو الحرارة، أثناء الرقية، علامةٌ مخصوصةٌ تثبت الإصابة بالسحر، أو تحدد نوعه.

فاستمري في الرقية، والأذكار، وخذي بالأسباب الشرعية، والطبية، وأحسني الظن بالله، واسأليه أن ييسر أمرك، ويكشف عنك كل سوء.

نسأل الله أن ييسر أمرك، ويشرح صدرك، ويصرف عنك كل سوءٍ ومكروه، ونسعد بتواصلك.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً