الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كيف أنجو بنفسي من التفكير الخاطئ ولا أكون ضحية للسيئين؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

شيخنا الكريم، أسأل الله أن يجزيكم خير الجزاء، وأرجو منكم أن تتسع صدوركم لرسالتي، فأنا فتاة أبلغ من العمر واحدًا وعشرين عامًا، وأمر بظروف نفسية وأسرية أثقلتني، وأحتاج إلى توجيه شرعي عملي.

أشعر منذ سنوات أنني لا أستطيع بناء حياتي أو الاعتماد على نفسي، وأريد أن أكون مستقلة، وأكمل حياتي بطريقة تُرضي الله، ولا يشغلني العمل بقدر ما يشغلني أن أعيش حياة طبيعية، وأتمكن من اتخاذ قراراتي في حدود الشرع.

كما أنني أكره المنطقة التي أعيش فيها كرهًا شديدًا منذ سنوات، ولا أرغب في البقاء فيها، ولا أتمنى أن يكون زواجي فيها نهائيًا، بل أتمنى أن أبدأ حياة جديدة في مكان آخر.

ومن خلال ما أعرفه عن أهلي، يغلب على ظني أنهم يفضلون أن يكون زواجي من نفس المنطقة، ومن شخص يعرفونه ويثقون به، حتى أكون قريبة منهم ويطمئنوا عليّ، وهذا الأمر يُسبِّب لي خوفًا شديدًا؛ لأنني لا أريد هذا المصير، وأشعر أن عمري يمضي وأنا لا أرى طريقًا يحقق ما أتمناه.

بل أصبحتُ أخاف أنه إذا تقدَّم لي رجل صالح من نفس المنطقة، وحاول أهلي إقناعي به، أن أضعف بسبب كثرة الضغط، مع أنني لا أريد ذلك أصلًا.

وفي المقابل، أشعر أحيانًا أن خوفي ووحدتي قد يدفعانني إلى التفكير في حلول خاطئة، فأخاف أن أثق بأشخاص غرباء عبر الإنترنت، أو أن أفكر في الهروب من المنزل، مع أنني أعلم أن الهروب قد يعرّضني لأخطار كبيرة، وقد أقع ضحية لأشخاص سيئي النية، أو أتعرض لأذى لا تُحمد عقباه، ولذلك أخاف من هذا الطريق أيضًا ولا أريده.

أنا لا أكتب هذا لأنني أريد الهروب أو المعصية، وإنما لأنني أشعر أنني محاصرة، وأخاف أن أضعف إذا بقيتُ على هذا الحال.

لذلك أرجو منكم ألَّا تكتفوا بنصيحتي بالصبر والاحتساب فقط، فأنا أعلم فضل الصبر، لكنني أحتاج إلى خطوات عملية وموافقة للشرع.

فما الطريق الصحيح الذي تنصحونني به حتى أبني حياتي، وأحافظ على ديني ونفسي، وأتجنب الوقوع في الخطأ؟ وهل يجوز أن أطلب من أحد من أهل الخير أن يتدخل للإصلاح، أو يساعدني بطريقة شرعية إذا رأى أن في ذلك مصلحة؟

جزاكم الله خيرًا، ونفع بعلمكم.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ سارة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نسأل الله تعالى أن يشرح صدرك، وأن ييسر أمرك، وأن يختار لك ما فيه صلاح دينك ودنياك، وأن يعوضك خيرًا مما تجدينه من ضيق وهم.

أختي الكريمة: أول ما أحب أن أؤكد عليه أن ما تشعرين به من رغبة في بناء حياة مستقرة، وأن يكون لك بيت وأسرة في بيئة ترتاحين إليها، هو أمر فطري لا حرج فيه، وليس من الخطأ أن تتمني أن يكون زواجك في مكان تشعرين فيه بالطمأنينة، ما دام ذلك في حدود ما أباحه الله تعالى.

لكن في المقابل، ينبغي أن يبقى قلب المؤمن متعلقًا بحقيقة عظيمة، وهي أن الله سبحانه هو المدبر الحكيم، وأنه لا يقع في هذا الكون شيء إلا بعلمه وإرادته وحكمته، قال تعالى: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 216].

ومن الإيمان بالقضاء والقدر أن نبذل الأسباب المشروعة كلها، ثم نرضى بما يقدره الله تعالى بعد ذلك، فلا نحول الأمنية إلى تعلق يورث القلق واليأس، ولا نجعل الخوف من المستقبل يحجب عنا حسن الظن بالله سبحانه.

ومن المهم كذلك أن تنتبهي إلى أن الشيطان إذا رأى العبد في ضيق، حاول أن يقنعه بأن النجاة لا تكون إلَّا بطريق محرم أو متهور، ولهذا أُعجبت بصراحتك حين ذكرت أنك تخشين أن يدفعك الضغط إلى الثقة بالغرباء أو التفكير في الهروب، ثم بينت أنك لا تريدين ذلك.

وهذا في الحقيقة من أعظم التنبيهات؛ فالهروب من المنزل ليس حلًا، بل قد يجر على الفتاة أخطارًا دينية ونفسية وأمنية لا يمكن توقعها، كما أن بناء العلاقات مع مجهولين عبر الإنترنت طلبًا للخلاص باب خطير، فكثير ممن يظهرون بصورة الناصح أو المنقذ تكون لهم مقاصد سيئة، وقد يستغلون حاجة الفتاة وضعفها، ولهذا يجب أن يغلق هذا الباب تمامًا.

أما ما يتعلق بالزواج، فمن المهم أن تعلمي أن الشريعة لم تجعل رضا الوالدين وحده كافيًا لإلزام المرأة بمن لا تريده، بل نهى النبي ﷺ عن إكراه المرأة على الزواج، فقال: «لَا تُنْكَحُ الْأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّىٰ تُسْتَأْذَنَ» (متفق عليه).

فإذا تقدَّم إليك صاحب دين وخلق، فلك حق القبول أو الاعتذار بما يوافق الشرع، ولا يجوز أن يكون الضغط سببًا لإسقاط هذا الحق.

لكن في الوقت نفسه، لا تجعلي معيار الرفض هو مجرد اسم المنطقة أو القبيلة أو المدينة، بل انظري إلى مجموع المصلحة؛ فقد يكون في المكان الذي لا تميلين إليه خير كثير لا تعلمينه، وقد يكون في المكان الذي تتمنينه ما لم يكن في حسبانك، فالعبرة الأولى بالدين والخلق وحسن العشرة، مع مراعاة ما تجدينه من ارتياح نفسي مشروع، بعيدًا عن الاندفاع أو ردود الأفعال الناتجة عن التجارب السابقة.

أمَّا عن الطريق العملي الذي أنصحك به، فمن ذلك:

• جددي صلتك بالله تعالى، وأكثري من الدعاء، وخاصة دعاء الاستخارة، وسؤال الله تعالى أن يختار لك ولا يختارك لنفسك، فإن من أعظم أسباب السكينة تفويض الأمر إلى الله سبحانه.

• اعملي على بناء شخصيتك وقدراتك فيما هو متاح لك من علم نافع، أو مهارة، أو عمل مباح، فإن قوة الشخصية وحسن إدارة الحياة لا تتعارضان مع البر، بل هما من الأسباب التي تعين الإنسان على اتخاذ القرار الصحيح.

• وسعي دائرة العلاقات الآمنة مع النساء الصالحات، والأسر المستقيمة، وحلقات العلم، والأعمال التطوعية، فإن ذلك يفتح للإنسان أبوابًا من الخير، ويخفف شعور العزلة، ويهيئ أسباب التعارف المشروع.

• إذا شعرت أن الحوار مع والديك لا يحقق نتيجة، فلا بأس أن تستعيني بمن له كلمة مسموعة عندهم من قريب حكيم، أو عم، أو خال، أو إمام مسجد، أو أحد أهل العلم والإصلاح ممن يعرف حال الأسرة، ليقرب وجهات النظر بالحكمة والرفق، وهذا من الإصلاح الذي أمر الله تعالى به، وليس خروجًا على الوالدين ولا عقوقًا.

• وإذا تقدم خاطب، فلا تتعجلي بالرفض ولا بالقبول تحت ضغط الواقع، بل اجمعي بين الاستخارة والاستشارة والنظر في الدين والخلق والقدرة على إقامة حياة مستقرة، ثم امضي فيما يغلب على ظنك أنه أصلح لدينك ودنياك.

وأخيرًا: لا تربطي سعادتك كلها بخطة واحدة أو بصورة معينة للمستقبل، فإن الله تعالى يفتح لعباده من الأبواب ما لا يخطر لهم على بال، وكم من إنسان ظن أن طريقًا معينًا هو نجاته، ثم تبين له بعد سنوات أن الخير كله كان فيما اختاره الله تعالى له.

فثقي بوعد الله سبحانه، وخذي بالأسباب المشروعة، وارفعي عن نفسك الاستعجال واليأس، واحذري أن يدفعك الضيق إلى قرار لا تستطيعين التراجع عنه، فإن القرارات التي تُبنى على الخوف غالبًا تكون أكثر ما يندم عليه الإنسان.

نسأل الله تعالى أن ييسر لك الخير حيث كان، وأن يصرف عنك السوء حيث كان، وأن يرزقك زوجًا صالحًا تقر به عينك، وحياةً طيبةً تقوم على الإيمان والمودة والسكينة، وأن يجعل لك من كل هم فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

وبالله التوفيق والسداد.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأكثر مشاهدة

الأعلى تقيماً