الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مترددة في قبول خاطبٍ مستقيم بسبب الاستقرار في ألمانيا وفارق السن

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

بارك الله فيكم، وجزاكم الله خيرًا على ما تقدمونه من نفع.

أود أن أستشيركم في أمر يشغل بالي، عرضت صديقة والدتي على والدتي فكرة زواجي من ابنها، وهي تُلحّ على هذا الأمر كثيرًا، وأنا في حيرة من أمري.

الشاب -بحمد الله- معروف بحسن الخلق والاستقامة، ويحافظ على حضور دروس العلم في المسجد القريب من بيته، كما أنه ميسور الحال، وهذا يطمئنني من جهة إمكانية التفرغ لتربية الأبناء مستقبلًا إن شاء الله.

لكن هناك أمران يقلقانني:

الأول: أنه يعمل ومستقر في ألمانيا، ولا يفكر حاليًا في العودة إلى بلدنا المسلم، وذلك بسبب ما يراه من انتشار الغش والفساد في كثير من المجالات، وصعوبة إيجاد بيئة عمل يطمئن إليها، وقد ذكر أنه قد يفكر مستقبلًا في الانتقال إلى المملكة العربية السعودية، لكن الأمر مجرد فكرة حتى الآن.

أما أنا، فلا أرغب في الاستقرار في ألمانيا، سواء بسبب خوفي على تربية الأبناء في بلد غير مسلم، أو لأنني لا أحب أن أكون بعيدة عن والديّ مع تقدمهما في السن وحاجتهما لمن يكون بقربهما، وفي الوقت نفسه، أعلم أن تربية الأبناء حتى في كثير من بلاد المسلمين أصبحت صعبة أيضًا بسبب انتشار المجاهرة بالمعاصي، وضعف الالتزام عند كثير من الناس، مما جعلني في حيرة: أي البيئتين أصلح لتربية الأبناء؟ وهل الأصل شرعًا هو تجنب الاستقرار في بلاد غير المسلمين إذا لم تكن هناك حاجة؟

الأمر الثاني: أن عمر الشاب 32 سنة، وأنا أبلغ 22 سنة، وأنا لا أمانع فارق السن في ذاته، لكن يقلقني أنه إلى أن يتم الزواج والإجراءات والانتقال إلى ألمانيا قد يكون عمره 34 سنة تقريبًا، وأنا أرغب -إن شاء الله- في إنجاب عدد من الأبناء، عملًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة»، لذلك أخشى أن يكون عامل العمر سببًا في الشعور بضرورة الإنجاب بسرعة وعلى فترات متقاربة، أو أن يقلل من فرصة تحقيق ما أتمناه من كثرة الذرية، وكذلك يكون الفارق العمري بينه وبين أبنائه كبيرًا.

ولهذا رفضت حتى اللقاء الأول، لأنني كنت أرى نفسي حاسمة في مسألة عدم العيش في ألمانيا، حتى لا أفتح بابًا، ثم أعتذر بعد ذلك فأسبب له إحراجًا أو تعلقًا، وقد صليت صلاة الاستخارة، لكن ما زلت في حيرة.

فهل هذه الأسباب التي ذكرتها تُعد أسبابًا معتبرة لعدم الموافقة، أو حتى لرفض التعارف من البداية؟ أم أنني متشددة في نظرتي للأمر؟

جزاكم الله خيرًا، ونفع بكم.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ Salma حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلًا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يختار لك الخير حيث كان، وأن يرزقك الزوج الصالح، ويشرح صدرك لما فيه رضاه، ويبارك لك في دينك ودنياك، وبعد:

فقد قرأنا رسالتك، ووجدنا فيها قدرًا محمودًا من التعقل والنظر إلى ما بعد الزواج، لا إلى لحظة الزواج نفسها، وهذا من علامات حسن الاختيار؛ فإن الزواج ليس إعجابًا ظاهرًا، وإنما مشروع عمر، ومن حق المرأة أن تنظر في الدين، والخلق، والبيئة التي ستعيش فيها، ومستقبل أبنائها، وقدرتها على بر والديها، ولا تعد هذه النظرة تشددًا، بل هي من حسن التدبير.

لذا فإن أول ما نحب أن نلفت نظرك إليه أن الرجل -بحسب ما ذكرت- قد جمع صفات عظيمة يندر اجتماعها؛ من حسن الخلق، والاستقامة، وطلب العلم، والاستقرار المالي، وهذه ليست صفات يسيرة، بل هي أصل ما أرشد إليه النبي ﷺ بقوله: «إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه»، ولذلك لا ينبغي أن تُغفل هذه المزايا بسبب أمر يمكن التفاهم حوله، ولا أن تلغى المخاوف الحقيقية بسببها، بل يكون النظر إلى الجميع مجتمعًا.

أما مسألة الإقامة في ألمانيا، فهي في الحقيقة أهم ما في رسالتك؛ لأنها ليست مسألة بلد فحسب، بل مسألة مشروع حياة، ولا شك أن الأصل أن يعيش المسلم حيث يكون دينه ودين أولاده أحفظ، وأن البيئة الصالحة نعمة عظيمة، وقد نص الفقهاء على كراهة أو منع الإقامة الدائمة في بلاد غير المسلمين لمن يخشى على دينه أو دين أهله، أو لا يستطيع إظهار شعائر الإسلام، أما من أمن على دينه، واستطاع إقامة شعائره، وكانت هناك مصلحة معتبرة، فقد أجاز بعض أهل العلم ذلك على أنه استثناء، ويبقى الأصل في الحياة بين المسلمين وفي بلادهم.

والقضية لا تقف عند الحكم الفقهي المجرد وفقط، بل تتعلق بقدرتكما الواقعية على تربية الأبناء هناك، فهناك أسر نجحت في تربية أولادها في الغرب نجاحًا ظاهرًا؛ لأنها أقامت بيتًا قائمًا على العلم، والعبادة، والصحبة الصالحة، والمدارس المناسبة، والمراكز الإسلامية، وهناك أسر فشلت بل وآل أمر بعض أولادها إلى الإلحاد عياذًا بالله، وعليه فلا ينبغي التقليل من أثر البيئة؛ فهي تؤثر في الأبناء بلا شك، وكلما كانت البيئة أعون على الطاعة كان ذلك خيرًا، لذلك فإن رغبتك في تربية أولادك في مجتمع مسلم رغبة معتبرة شرعًا وعقلًا، وليست وسوسة ولا تشددًا.

وكذلك تعلقك ببر والديك مع تقدمهما في السن سبب معتبر، فإن بر الوالدين من أعظم الواجبات، ومن حقك أن تنظري في أثر الزواج على قدرتك على القيام بهذا الحق، خاصة إذا لم يكن لهما من يقوم مقامك.

لكننا مع ذلك لا ننصح أن يكون مجرد عمله في ألمانيا سببًا لإغلاق الباب قبل أي حوار؛ لأنك ذكرت بنفسك أنه يفكر في الانتقال مستقبلًا إلى بلد مسلم، كالمملكة العربية السعودية، فمثل هذه المسائل لا تحسم بالافتراضات، وإنما بالسؤال الصريح الواضح.

فيمكن -إن وقع لقاء الرؤية الشرعية أو وصل الأمر إلى مرحلة التعارف المنضبط- أن يكون هذا السؤال من أول الأسئلة: هل ترى الاستقرار في ألمانيا قرارًا نهائيًا لا يقبل التغيير؟ أم أنك مستعد فعلًا للانتقال إلى بلد مسلم إذا تيسرت الأسباب؟ وهل تقبل أن يكون هذا جزءًا من الاتفاق بيننا؟ فقد يتبين أن ما تظنينه مانعًا قطعًا ليس كذلك، وقد يتبين العكس، وحينئذ يكون القرار مبنيًا على واقع لا على توقع.

وأما ما ذكرته من فارق السن، فإن عشر سنوات ليست فارقًا غير معتاد في الزواج، ولا تدل في نفسها على مشكلة، وأما كون عمره سيكون أربعة وثلاثين عامًا عند الزواج، فهذا -في الغالب- لا يمنع من تكوين أسرة كبيرة إذا قدر الله ذلك، فكثير من الرجال رزقهم الله عددًا من الأبناء وقد تزوجوا في مثل هذا العمر أو بعده.

وأما خشيتك من الشعور بضرورة الإنجاب بسرعة، فهذه مسألة يمكن الحديث عنها بينكما قبل العقد، ومعرفة نظرته إلى عدد الأبناء، وتنظيم الحمل، وطبيعة الحياة التي يريدها، فلا تبنى على الظنون.

ولذلك فإننا لا نرى أن فارق السن هو السبب الحقيقي في حيرتك، وإنما السبب الأكبر هو مكان الاستقرار، ثم قربك من والديك، فإذا حسم هذان الأمران، فالغالب أن مسألة العمر لن تبقى مؤثرة إلى هذا الحد.

ولهذا فإننا لا نصف موقفك بالتشدد، كما لا نصفه بالصواب المطلق؛ لأن رفض التعارف من البداية قد يحرم الإنسان من معرفة حقائق ربما تغير الصورة، كما أن الدخول في مشروع زواج مع وجود مانع أساسي لا يقبل التنازل عنه قد يسبب تعلقًا ثم اعتذارًا مؤلمًا.

فإن كنت قد وصلت إلى يقين أنك لن تعيشي في ألمانيا بحال، ولو كان الزوج صالحًا، وكان هو في المقابل لا يفكر في مغادرتها، فرفضك من البداية مفهوم، ولا حرج عليك فيه.

أما إذا كان اعتراضك ليس على ألمانيا لذاتها، وإنما على الخوف من مستقبل الأبناء، مع استعدادك للنظر إذا وجد حل واقعي، فالأقرب أن تسمحي بلقاء التعارف الشرعي، وأن تطرحي هذه القضايا بوضوح، ثم تبني قرارك على الأجوبة لا على الاحتمالات.

وأخيرًا، لا تنتظري من الاستخارة أن تزيل الحيرة فجأة، أو أن تحدث علامة خاصة، وإنما الاستخارة معناها أن تفوضي أمرك إلى الله، ثم تمضي في الأسباب المشروعة، وتسألي، وتستشيري، وتوازني، فإن يسر الله الأمر بعد ذلك كان خيرًا، وإن صرفه عنك كان الخير فيما اختاره الله.

نسأل الله أن يرزقك الزوج الصالح الذي يعينك على دينك، ويحفظ عليك بر والديك، ويقر عينك بالذرية الصالحة، ويختار لك الخير حيث كان، والله الموفق.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً