كلما تبت عن المعاصي أعود إليها سريعًا، فماذا أفعل؟

2026-03-26 04:28:27 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا شابٌّ أبلغ من العمر سبعة عشر عامًا، ومشكلتي أنني كلما تُبتُ من المعاصي التي أقع فيها عدتُ إليها سريعًا، فقد تُبتُ قبل عدة أشهر، لكنني لم أترك أصدقاء السوء، فانتكستُ سريعًا، ثم بعد نحو شهرين تُبتُ مرة أخرى، وتركتُ أصدقاء السوء، وبدأتُ كذلك في حفظ القرآن وطلب العلم الشرعي عبر الإنترنت.

جاء رمضان، فكنتُ في بدايته أؤدي الصلوات المفروضة في المسجد، وأصلي التراويح، ولكنني (للأسف) انتكستُ مرة أخرى، وكلما تُبتُ انتكستُ سريعًا، حتى إنني قد أتوب قبل النوم، فإذا استيقظتُ عدتُ إلى الذنب بسرعة، وإذا تُبتُ مرة أخرى تذكرتُ أنه إذا دخل وقت الصلاة يجب أن أذهب إلى المسجد، فيصيبني الكسل فأنتكس.

وقد أصابني أيضًا تساهلٌ شديد في المعاصي، حتى إنني لا أحاول أحيانًا ترك الذنب، وأنا حزينٌ جدًّا لانتكاستي في شهر رمضان، وكنتُ أتمنى أن أتمه وأنا تائب، كما أخشى أن أموت على هذه الحال.

فما نصيحتكم؟ وهل لمرض الوسواس القهري في الأمور الدينية تأثيرٌ في ذلك؟ فأنا مصابٌ به منذ سنتين وعدة أشهر.

أرجو أن تجيبوني سريعًا -إن استطعتم- وجزاكم الله خيرًا.

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بك في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله تعالى أن يمنّ عليك بالعافية والشفاء من الوساوس، وأن يصرف شرها عنك.

وقبل الحديث عن التوبة وما يصح منها وما لا يصح، ينبغي أن ننبهك -أيها الحبيب- إلى أهمية مقاومة هذه الوساوس، والأخذ بالأسباب التي تُذْهِبُها عنك؛ فإن الوساوس شر مستطير إذا تسلطت على الإنسان، أفسدت عليه حياته وأدخلته في أنواع من الضيق والكآبة والحرج، ولهذا ينبغي لك أن تُجاهدها ما استطعت، وأن تأخذ بالنصائح النبوية التي أرشد فيها النبي ﷺ مَن أُصيب بشيء من الوساوس إلى فعلها، واتباع خطواتها.

أهم هذه الوصايا قوله ﷺ لمن ابتلي بشيء من الوساوس: (فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ وَلْيَنْتَهِ) وهذا يعني أنه يُكثر من الاستعاذة بالله كلما داهمته الأفكار الوسواسية، فيستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، وينتهي، أي يعرض عن هذه الوساوس، فلا يتفاعل معها، ولا يهتم بها، ولا يبحث عن إجابات لأسئلتها، ولا يُظهر أي مظهر من مظاهر الاهتمام والاعتناء بها، بل المطلوب منه أن يُحقِّرها، وأن يعتبرها أفكارًا تافهة لا قيمة لها، وهذا كله يُسهِّل عليه الإعراض عنها وتركها.

وممَّا يُسهِّل عليه هذا التحقير لها أن يُدرك أن هذه الأفكار إنما هي من مكائد الشيطان وحيله، في محاولة صرف الإنسان المسلم عن الطاعات، وإدخال الحزن إلى قلبه، وتثبيطه عن فعل ما ينفعه؛ فإذا أدرك أن هذه حيلة شيطانية سَهُلَ عليه أن يعرض عنها، مهما حاول الشيطان أن يظهرها له بمظهر الاحتياط للدين والاهتمام به، ونحو ذلك من أنواع التلبيسات الشيطانية؛ فإنه إذا أدرك هذه الحقيقة، وأنها مكيدة من الشيطان ليُثقِّل العبادات عليه ويصرفه عنها؛ إذا أدرك هذا الإدراك سَهُلَ عليه أن يعرض عن هذه الوساوس ويهجرها.

وهو بهذا يتبع ما يحبه الله تعالى منه، فإن الله لا يرضى منا أبدًا أن نتابع خطوات الشيطان، وقد نهانا عن هذا نهيًا صريحًا في القرآن، فقال سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾.

فنقول -أيها الحبيب- ينبغي أن تأخذ بهذه التعليمات النبوية، لتخلص نفسك من شر هذه الوساوس، فأكثر من ذكر الله تعالى؛ فإن ذكر الله حصن حصين يتحصن به الإنسان المؤمن من الشيطان وشروره، وإذا صبرت على هذا الطريق، فإننا نجزم بأنك بعد فترة بسيطة -بإذن الله- ستكون قد تخلصت من هذه الوساوس.

ومع الأخذ بهذه الأسباب النبوية، وهي أدوية روحية نفسية للتخلص من الوسوسة، ينبغي كذلك أن تعرض نفسك على الأطباء النفسيين؛ فإنك قد تجد عندهم من الأدوية ما يعيد للجسد اعتلاله وصحة مزاجه، فإن الوسوسة من جملة الأمراض، وقد قال الرسول ﷺ: «تَدَاوَوْا عِبَادَ اللهِ»، وقال قبل ذلك: (مَا أَنْزَلَ اللهُ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً) فنسأل الله تعالى أن يمنّ عليك بالعافية ويخلصك من شر هذه الوساوس.

وأمَّا ما ذكرته من شأن التوبة والرجوع إلى الذنب، فأولاً نرجو الله تعالى ألا يكون هذا من آثار الوساوس التي تعاني منها، فإن كان من آثار الوسوسة، وأنك تشك في حصول شيء من المحرمات بعد توبتك، فالنصيحة هي ما سبق وهي ألَّا تلتفت لهذه الأفكار الوسواسية.

وعلى كل حالٍ؛ فينبغي أن تُدرك -أيها الحبيب- أن التوبة إذا استوفت أركانها فإن الله يقبلها من صاحبها، وإن عاد بعدها للذنب مرة أخرى؛ فإنه إذا ندم على فعل الذنب، وعزم على عدم الرجوع إليه في المستقبل، وأقلع عنه في الوقت الحاضر؛ فهذه توبة مستكملة الأركان، والله يقبلها، ويمحو بها الذنب السابق، كما قال ﷺ: «التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ».

وكون الإنسان يرجع بعد ذلك إلى الذنب مرة أخرى؛ فهذا لا يُنافي توبته السابقة، بل هو مطالب بأن يتوب مرة أخرى، وهكذا كلما وقع في الذنب يجب عليه أن يُعيد التوبة ويتوب توبة جديدة، فإذا فعل ذلك فإنه يمشي في الطريق التي يُحبُّها الله تعالى ويريدها منه، ولا يزال الإنسان كذلك كما قال الرسول ﷺ: (مَا مِنْ عَبْدٍ إِلَّا وَلَهُ ذَنْبٌ يَعْتَادُهُ الْفَيْنَةَ بَعْدَ الْفَيْنَةِ)، ثم قال: (إِنَّ الْمُؤْمِنَ خُلِقَ مُفَتَّنًا تَوَّابًا نَسِيًّا).

فلا تملَّ أبدًا من تكرار التوبة وتجديدها، ولا تيأس من رحمة الله، فإن الله يغفر الذنوب جميعًا بالتوبة، المهم جدًّا أن تستوفي أركان التوبة عند توبتك، نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يوفقنا وإياك لكل خير.

وخير ما نوصيك به الجلساء الصالحون، الجلساء الذين يُذكِّرونك وقت الغفلة، ويعلمونك عند الجهل، ويعينونك وقت الطاعة، فهؤلاء هم خير من يثبتك على الطريق.

نسأل الله أن يُوفقنا وإيَّاك لكل خير.

www.islamweb.net