ذكريات نشأتي في الحرب تجددت وسبب لي الكثير من القلق، فكيف أتخطاها؟

2026-04-29 03:59:25 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم.

أنا ولدت في حرب، ونشأت في حرب أخرى؛ فعندما كان عمري 7 سنوات وأكثر رأيت أشياء مروعة بسبب الحرب، كالقتل المفاجئ لشخص أحبه أمام عيني بالقصف، وعندما كانت تحدث كل هذه الأشياء كنت أبقى واقفة مصدومة فقط، وغير مصدقة لما حدث.

ولكن بعد الحرب، أي عندما صار عمري 10 سنوات، وانتهت الحرب، عقلي حجب كل هذه الذكريات، وأكملت حياتي، ولكن عندما أصبح عمري 16 -وإلى الآن- دائمًا ما أتذكرها، وأحاول نسيانها، لكنها تأتي فجأة بيومي، وأشعر بالخوف الدائم من تكرر هذه الأحداث والقلق المستمر بلا سبب!

قلت إنه قلق طبيعي، وإنني تخطيت ما حدث، لكن عندما قصفت منطقة بجواري هذه الفترة على غير المعتاد، تكرر لدي نفس الشعور عندما كنت تحت القصف في السابق، وأحسست أنني عدت لنقطة الصفر، وكذلك دائمًا يراودني حلم أن الطائرة التي كنت أخاف أن تقصفني في الحرب تنزل على المكان الذي أنا فيه، وينتهي الحلم، ويتكرر كل فترة!

ولكن في آخر مرة تكرر الأمر، وفي نهاية الحلم قُتِلت، ورأيت نفسي ميتة، ولم يتكرر الحلم منذ سنة تقريبًا، وكل هذا يؤثر على نفسيتي بشكل كبير، فهل تنصحوني بمراجعة طبيب نفسي، أم أن هذا الشيء طبيعي، وسأتخطاه بمرور الأيام -إن شاء الله-؟

جزاكم الله خيرًا.

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ أسيل حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نرحب بكِ -بُنيَّتي- عبر استشارات إسلام ويب، ونشكر لكِ تواصلكِ معنا بهذا السؤال، والذي آلمني حقيقةً لما تعرضتِ له في طفولتكِ، وما تعانين منه حتى الآن.

بُنيَّتي؛ نعم، إن من يتعرض لمشاهد مرعبة -كما يحصل في حالة الحروب والنزاعات، أو حتى الكوارث الطبيعية- يتعرض إلى صدمة نفسية نسميها صدمة الإجهاد النفسي ما بعد الصدمات (PTSD)، ومن أعراضها الأساسية التجنُّب؛ حيث يتجنَّب الإنسان المكان الذي حصل فيه هذا المشهد، أو يحاول أن يتجنَّب تذكر ما حصل، وإذا نجح في تجنب التذكر في النهار، فقد تأتيه أحلام في الليل متعلقة بما حدث.

والعَرَض الثاني: وهو المزعج جدًّا، ما نسميه بالصور الراجعة "Flashbacks"؛ حيث يعيش الإنسان مُجددًا الحدث وكأنه يحصل الآن، ويحدث هذا حتى بعد أشهر أو سنوات؛ فمن حيث لا ندري تأتي الصور الذهنية التي علقت في أذهاننا، تأتينا فجأةً، فتزعج الإنسان وكأن الحدث أو الصدمة تتكرر من جديد.

والعَرَض الثالث: هو فرط التنبه، والاستثارة؛ حيث يكون الإنسان متوترًا بعض الشيء بسبب هذه الصدمة النفسية، وكثير من الناس ينمون ويكبرون ويتجاوزون هذا، ولكن كثيرًا منهم تبقى عندهم هذه الأعراض، وخاصة الصور الذهنية الراجعة "Flashbacks"، وقد تختفي فترةً ثم تعود مجددًا، وخاصة إذا تكرر حادث صادم كما حصل معكِ عندما قُصفت منطقة بجواركِ، فأحيت من جديد تلك الصور السابقة التي شاهدتِها وأنتِ في السابعة من عمركِ.

بُنيَّتي: كما ذكرت لكِ، فكثير من الناس يكبرون ويتجاوزون هذا، وتبقى هناك أعراض خفيفة من تذكر هذه الصدمات، ويمكنهم تجاوزها دون اللجوء إلى العلاج، ولكن إن استمرت هذه الأعراض، وبدأت تزعجكِ، وخاصة إن كانت تُؤثِّر على حياتكِ النفسية، والدراسية، والأسرية، وأنتِ الآن طالبة، فإذا بدأت تُؤثِّر عليكِ بشكل كبير، فيمكن هنا مراجعة طبيب نفسي، أو أخصائي نفسي عنده خبرة في علاج الصدمات النفسية لما بعد الحروب والكوارث.

نادرًا ما نستعمل العلاج الدوائي، ولكن في الغالب نستعمل العلاج النفسي، سواءً جلسات العلاج المعرفي السلوكي، أو أن هناك علاجًا مُحدَّدًا لمثل هذه الشكاوى، وهو ما نسميه بإزالة التحسُّس عن طريق حركة العينين (EMDR)، وكما ذكرت لكِ يحتاج إلى طبيب أو أخصائي نفسي عنده خبرة في ذلك.

وطالما أنتِ مقيمة في بلدك، فأنا متأكد أن عندكم عددًا من المعالجين ممن لديه خبرة في هذا، نتيجة ما تعرضتم له في سنوات الحرب والنزاعات، واحتمال لا بأس به -بنيتي- ألا تحتاجي إلى الذهاب للعيادة النفسية، وإنما أن تقرئي عن الإجهاد النفسي ما بعد الصدمات (PTSD)، ويمكنكِ أن تطوري عندكِ بعض المهارات والاستراتيجيات التي تساعدكِ على تخفيف الأعراض، من خلال: شغل نفسكِ بالهوايات المفيدة، وكل ما يمكن أن يعبر عما في نفسكِ مما نسميه التفريغ العاطفي، سواءً عبر الكتابة، أو الرسم، أو الدراما، أو غيرها.

أسأل الله تعالى لكِ تمام الصحة والعافية والتوفيق.

www.islamweb.net