فقدت الشغف والطاقة وحب العمل وأقضي وقتي نائمًا، ساعدوني!
2026-06-15 23:56:35 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أصبحت أكره العمل، ودائمًا ما أكون نائمًا في المنزل، لا طاقة لدي، ولا دافع، ولا شغف، ولا تحفيز.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نشكرك على تواصلك معنا، وثقتك بموقعنا.
فهمنا من رسالتك -أخي الكريم- أنك أصبحت تشعر بكراهية لعملك، وأنك دائم النوم في المنزل، ولا تجد في نفسك طاقة، أو دافعًا، أو شغفًا تجاه ما تقوم به، ولفت انتباهي أنك تعمل في مهنة البناء، وهي مهنة تستهلك من الإنسان جهدًا بدنيًّا كبيرًا، فما تشعر به أمرٌ طبيعي يمر به كثير من الناس، خاصة من يبذلون جهدًا جسديًّا متواصلًا، ولستَ وحدك في هذا، فهي حالة يمكن فهمها وتجاوزها بإذن الله.
هذه المشكلة يمكن أن ننظر إليها من زاويتين:
• الأولى: أن يكون ما تشعر به سببه بدني محض، فطبيعة عمل البناء مرهقة للجسد، وقد يكون إحساسك بالخمول وكثرة النوم ناتجًا عن تعب متراكم، أو عن نوم غير منتظم، أو نقص في بعض العناصر الغذائية كالحديد وفيتامين (د)، وهذه أمور يكشفها فحص طبي بسيط.
• والثانية: أن يكون السبب نفسيًّا أو روحيًّا، فقد تكون فقدت الإحساس بمعنى عملك، أو دخلت في حالة من الملل والرتابة بعد سنوات من التكرار، أو أصابك فتور في صلتك بربك جعل قلبك ثقيلًا؛ فانعكس ذلك على جسدك، وقد تكون هذه الحالة أيضًا من بدايات ما يعرف بـ (الاحتراق الوظيفي)، أو حالة من (الفتور النفسي) تحتاج تقييمًا متخصصًا، ولعل الأمرين يكملان بعضهما؛ فالجسد إذا أُرهق أثَّر في النفس، والنفس إذا أُرهقت أثَّرت في الجسد.
ومن أعظم ما يعالج به المسلم هذا الشعور بالعجز والكسل: الدعاء، فإن النبي ﷺ كان يُكثر من دعاء يجمع فيه بين هذه الأمراض القلبية والبدنية، فكان يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ» (رواه البخاري).
وتأمل -أخي الكريم- كيف جمع النبي ﷺ بين العجز والكسل في دعاء واحد، فهما حالتان متلازمتان، فاجعل هذا الدعاء جزءًا من وردك اليومي، وكرره بعد كل صلاة وفي أوقات الصباح؛ فإن النبي ﷺ لم يدعُ بدعاء إلَّا لحاجة حقيقية يشعر بها الإنسان في حياته.
أمَّا عن نظرتك لعملك ذاته، فاعلم أن العمل في الإسلام له قدر عظيم، فقد قال النبي ﷺ: «مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ» (رواه البخاري).
فأنت حين تشارك في بناء بيت يؤوي أسرة، أو مسجد يصلي فيه الناس، أو طريق يمشي عليه المسلمون، فإنك تشارك في عمارة هذه الأرض التي استخلفنا الله فيها، قال تعالى: {هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود: 61].
فالعمل الذي تقوم به ليس مجرد كسب مادي، بل هو عبادة وأمانة، فإذا استحضرت هذا المعنى قبل أن تبدأ يومك، فإن الله بإذنه يبدل ثقل العمل في نفسك إلى شعور بالقيمة والأجر.
ومن الأمور التي سوف تعينك بإذن الله:
• الأمر الأول: أن تحافظ على صلاة الفجر في وقتها وفي جماعة إن استطعت؛ فالاستيقاظ مع الفجر ينظم ساعتك البيولوجية ويمنحك طاقة لبقية يومك، والنوم بعد الفجر مباشرة من أكثر الأسباب التي تزيد الشعور بالخمول طوال النهار.
• الأمر الثاني: أن ترتب وقت نومك في الليل بحيث تنام مبكرًا قدر استطاعتك، وتجعل نومك في النهار قيلولة قصيرة لا تتجاوز نصف ساعة؛ فالنوم الطويل نهارًا يزيد الكسل ولا يعالجه.
• الأمر الثالث: أن تضع لعملك هدفًا تستحضره كل صباح، كأن تقول لنفسك: "اليوم أعمل من أجل أسرتي، أو من أجل أن أتقن مهنتي وأتطور فيها"؛ فربط العمل بهدف واضح يعيد له معناه ويبعد عنك الشعور بالرتابة.
• الأمر الرابع: ألا تهجر القرآن، فاجعل لك وردًا يوميًّا ولو كان صفحة واحدة؛ فإن القلب إذا بعد عن القرآن أصابه الفتور والكسل كما يصيب الجسد إذا حُرم الطعام.
• الأمر الخامس: أن تحافظ على ورد من الذكر والاستغفار، فهما من أسباب القوة، قال تعالى: (ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه، يرسل السماء عليكم مدرارًا ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين)، وعند النوم لا تنسَ الأذكار وخاصة ما ثبت منها أنه من أسباب القوة والإعانة على المهام الصعبة، فقد ثبت عند البخاري من رواية علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنَّ فاطِمةَ عليها السَّلامُ شَكَت ما تَلقى مِن أثَرِ الرَّحا، فأتى النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سَبيٌ، فانطَلَقَت فلَم تَجِدْه، فوجَدَت عائِشةَ فأخبَرَتها، فلَمَّا جاءَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أخبَرَتْه عائِشةُ بمَجيءِ فاطِمةَ، فجاءَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلينا وقد أخَذنا مَضاجِعَنا، فذَهَبتُ لأقومَ، فقال: ((على مَكانِكُما. فقَعَدَ بينَنا حتَّى وجَدتُ بَردَ قدَمَيه على صَدري، وقال: ألا أُعَلِّمُكُما خَيرًا ممَّا سَألتُماني؟ إذا أخَذتُما مَضاجِعَكُما تُكَبِّرا أربَعًا وثَلاثينَ، وتُسَبِّحا ثَلاثًا وثَلاثينَ، وتَحمَدا ثَلاثًا وثَلاثينَ؛ فهو خَيرٌ لَكُما مِن خادِمٍ)). فخير من الخادم الذي يعين الشخص ويقوم بالمهام الصعبة عنه، أن يحافظ على هذه الأذكار.
الأمر السادس: أن تحرك جسدك بعد العمل أيضًا، كالمشي قليلاً بعد العصر، فهذا يساعد على التخلص من الكسل المتراكم وينشط الجسد.
• الأمر السابع: أن تراجع حالتك الصحية، وتتأكد من عدم وجود نقص في الحديد أو فيتامين (د)؛ فهذه العناصر إذا نقصت سببت تعبًا دائمًا حتى مع الراحة.
تذكَّر -أخي الكريم- أن التغيير لا يأتي دفعة واحدة، بل يبدأ بخطوة صغيرة تتبعها أخرى، فابدأ بتطبيق واحد أو اثنين من هذه الأمور هذا الأسبوع، وستجد أن نفسك تتعود تدريجيًّا، وتعود إليها الحيوية والرغبة بإذن الله.
إن استمر معك هذا الشعور بانعدام الطاقة والدافع وكثرة النوم لفترة طويلة، رغم تطبيق ما سبق، فمن الحكمة أن تستشير طبيبًا أو أخصائيًّا نفسيًّا ليقيم حالتك عن قرب، فقد تكون هذه الأعراض مؤشرًا على حالة تحتاج علاجًا متخصصًا، وطلب المساعدة في هذه الحالة ليس ضعفًا، بل هو من تمام الأخذ بالأسباب الذي أمرنا الله به.
ومن الحكمة التي قالها الشعراء في الحث على الجد وترك الكسل قول الشاعر:
الْجَدُّ فِي الْجِدِّ وَالْحِرْمَانُ فِي الْكَسَلِ *** فَانْصَبْ تُصِبْ عَنْ قَرِيبٍ غَايَةَ الْأَمَلِ
فاجعل من نشاطك اليوم بذرة لراحة قلبك وجسدك في القادم من الأيام؛ فالراحة الحقيقية لا تأتي من النوم الطويل، بل من القلب الذي يشعر أنه يسير في طريق له معنى.
نسأل الله أن يرزقك الهمة والنشاط، وأن يبارك في وقتك وعملك، وأن يجعل كل خطوة تخطوها في عملك في ميزان حسناتك، نسأل الله أن ييسر أمرك، وأن يشرح صدرك، وأن يهديك سواء السبيل.
وبالله التوفيق.