الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فإن كان من يقوم بالترقية يدفع مالًا، ولا يدري حقيقة ما يحصل عليه بهذه الترقية، مع حصول تفاوت مؤثر في القيمة بين الهدايا بعد الترقية، فهذا غرر يفسد العقد.
قال ابن عبد البر في التمهيد: البيع الفاسد من بيوع الغرر وغيرها إذا وقع فسخ إن أدرك قبل القبض وبعده، فإن فات بعد القبض رُدَّ إلى قيمته ... ومن ذلك بيع الجنين في بطن أمه، وكل ما لا يدري المبتاع حقيقة ما يحصل عليه، ولا ما يصير إليه. اهـ.
وأما حكم شرائك أنت لهذه السلع بعد أن استقرت في أيدي أصحابها؛ فمبني على مسألة مشهورة، وهي: هل المقبوض بعقد فاسد يفيد الملك أم لا؟ فقد اختلف أهل العلم في ذلك، وما ذكره ابن عبد البر هو مذهب المالكية.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في (مجموع الفتاوى): القبض الذي لا يفيد الملك هو الظلم المحض، فأما المقبوض بعقد فاسد كالربا والميسر؛ ونحوهما فهل يفيد الملك؟ على ثلاثة أقوال للفقهاء:
ـ أحدها: أنه يفيد الملك. وهو مذهب أبي حنيفة.
ـ والثاني: لا يفيده. وهو مذهب الشافعي، وأحمد في المعروف من مذهبه.
ـ والثالث: أنه إن فات أفاد الملك، وإن أمكن رده إلى مالكه ولم يتغير في وصف ولا سعر لم يفد الملك. وهو المحكي عن مذهب مالك. اهـ. واختار شيخ الإسلام القول الثالث.
ونقل الشيخ عبد الرحمن السعدي في (الأجوبة النافعة عن المسائل الواقعة) ترجيح هذا القول عن شيخ الإسلام ابن تيمية، وقال: البائع بيعاً فاسداً قد أقبض المشتري المبيع وقد تعوَّض عنه، ورضي بانتقاله إليه، وتمليكه إياه، فالعقد فاسد، وهما آثمان على ذلك، ولكن الرضى حاصل، فقد ملَّكه ذلك المبيع، وأذن له بمقتضى هذا أن يتصرف فيه لنفسه، وله جميع ما ترتب عليه من نماء، وكسب، وغيره ... فنُعمل الأمرين: نحرِّمه ونؤثمه على نفس العقد الذي حرمه الشارع، وننفذ التصرفات بعد ذلك، ونقر ملكه للمشتري ... ويوضحه أيضاً: أن ترجيعه بعد المدة الطويلة في غاية المشقة والصعوبة، وربما تعذر ذلك بالكلية، فكيف نسلسل إبطال التصرفات الكثيرة، وفي ذلك من الحرج ما تنفيه الشريعة. اهـ.
ومن يقوم بالترقية لا يمكنه الرجوع بعد ذلك، واسترداد ماله، وإعادة الهدية لما كانت عليه قبل الترقية، وهذا في معنى الفوات الذي يفيد الملك على مذهب المالكية، فضلاً عن الحنفية.
وبناء على هذا القول؛ يصح شراء هذه الهدايا من أصحابها.
والله أعلم.