الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فنسأل الله تعالى أن يشرح صدرك للتوبة، وأن يرزقك صدق الإقبال عليه.
واعلمي أن ما تجدينه من ألم وندم وخوف من الذنب هو علامة خير، ودليل على أن قلبك لم يمت، بل فيه حياة وإيمان؛ فإن القلب الميت لا يتألم للمعصية، ولا يشتاق إلى التوبة، واليأس من رحمة الله، ومن قبول التوبة من أخطر ما يلقيه الشيطان في قلب العبد، ليصرفه عن الرجوع إلى ربه.
وأما الآيتان اللتان ذكرتِهما، فلا ينبغي أن تجعليهما حكمًا قاطعًا على نفسك؛ فقوله تعالى: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ [الجاثية: 23]، تتحدث عمن استسلم للهوى ورضي به واتخذه متبوعًا، وأما من يقع في الذنب مع كراهته له، وندمه عليه، وحزنه وألمه، ومحاولته للتوبة مراراً، فليس كذلك، والفرق بينهما ظاهر.
وأما قوله تعالى: وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [الجاثية: 7-8]، فالإصرار مع الاستكبار، مغاير للإصرار مع الضعف والندم، فمن يسمع الآيات ثم يصر استكبارًا وإعراضًا، لا كمن يسمعها فيقشعر قلبه خوفًا وتوجعًا، والعبد الذي يذنب، ثم يتوب، ثم يذنب، ثم يتوب، إذا كان نادماً غير مستحل للذنب، فهو داخل في قوله صلى الله عليه وسلم: كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون. رواه الترمذي وحسنه الألباني.
وقد ثبت في الصحيح: أن العبد إذا أذنب، ثم استغفر وتاب، تاب الله عليه، ولو عاد إلى الذنب مرارًا، ما دام كلما وقع رجع نادمًا مستغفرًا، فلا يلزم أن يكون التائب معصومًا من السقوط، وإنما المطلوب أن يكون صادقًا في رجوعه، مجاهدًا لنفسه، كارهًا للذنب، آخذًا بالأسباب التي تعينه على تركه.
ولكن ينبغي التنبيه إلى أن التوبة النصوح ليست مجرد بكاء أو نية عابرة، بل هي إقلاع عن الذنب، وندم على فعله، وعزم صادق على ألا تعود إليه، مع بذل الأسباب التي تمنع من الوقوع فيه مرة أخرى، فإذا كانت المعصية تتكرر بسبب معين -كالخلوة، أو الفراغ، أو الصحبة السيئة، أو البيئة-، وجب قطع هذا السبب أو تقليله قدر الإمكان؛ لأن من جاهد نفسه وهو يترك أبواب الفتنة مفتوحة يوشك أن يُغلَب.
ومما يساعدك على ذلك إبدال المعصية بطاعة: فالنفس لا تترك شيئاً إلا لشيء، فإذا تركت الذنب ولم تشغلها ببديل مباح يسد حاجتها، عادت إليه، فاشغلي وقتك بصلاة، أو ذكر، أو صحبة صالحة ونحوها من الأعمال المباحة.
ومن الوسائل العملية: تأخير الاستجابة لحظة الضعف، فغالباً ما تكون شدة الشهوة لا تتجاوز دقائق، فإذا أحسست بها، فأجليها بضع دقائق، وقومي فتوضئي وصلي ركعتين، أو اخرجي من المكان، فإنها تزول غالباً.
فالذي عليك أن تجمعي بين أمرين:
أولهما: حسن الظن بالله، وعدم اليأس من رحمته، وكثرة التوبة كلما وقعت في المعصية، ولو تكرر ذلك مرارا.
وثانيهما: الأخذ بالأسباب العملية، مثل تجنب مواطن الفتنة، وغلق الأبواب التي توصلك إلى الذنب، ومصاحبة الصالحات، والإكثار من الذكر، والصلاة، وقراءة القرآن، والدعاء الصادق بأن يثبتك الله، ويصرف عنك السوء والفحشاء.
ولا تنتظري كمال الشعور أو قوة العزيمة لتبدئي التوبة، بل بادري بالتوبة والعمل، فإن من صدق مع الله صدقه الله وأعانه، ومن أقبل عليه بقلب منكسر -وإن كان ضعيفًا- فتح الله له من أبواب العون ما لا يخطر له على بال.
وراجعي لمزيد الفائدة الفتويين: 465961، 472657.
والله أعلم.