الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الوفاء خُلقٌ نبوي ومنهج حياة

الوفاء خُلقٌ نبوي ومنهج حياة

الوفاء خُلقٌ نبوي ومنهج حياة

الخطبة الأولى

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}(آل عمران:102)، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد، أيها المسلمون:

الوفاء خُلقٌ عظيم وخصلةٌ كريمة، يربط بين القلوب، ويقوي أواصر المحبة، ويقيم جسور الثقة بين الناس، وهو من أسمى الأخلاق التي دعا إليها الإسلام، وهو اعتراف بالفضل ورد الجميل لمن أسدَى إليك معروفًا، ووقف بجانبك، أو مدَّ إليك يدًا..
والوفاء ليس كلمةً تُقال أو شعاراً يُرفع، بل هو منهج حياة يلازم المسلم في عباداته ومعاملاته، في بيعه وشرائه، في وعده وعهده، في صحبته وزواجه، في علاقته بوالديه وأرحامه، بل في كل شأن من شؤون حياته، وهو عنوان الرجولة، ودليل المروءة، وسبب رفعة الإنسان في الدنيا والآخرة، قال الله تعالى: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا}(الإسراء:34)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (مَن صنع إليكم معروفًا فكافِئُوهُ، فإن لم تجدوا ما تُكافِئُونَه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموهُ) رواه أبو داود. فالوفاء خُلق إيماني رفيع، وواجب شرعي عظيم، وميزان يُعرف به صدق العبد مع ربه ومع الناس..

وأعظم صور الوفاء هو الوفاء مع الله عز وجل، وذلك بعبادته وحده لا شريك له، والقيام بحقوقه، والالتزام بأوامره، واجتناب نواهيه، وهذا هو الوفاء الأعظم الذي لا يعلوه وفاء، إذ هو وفاء العبد مع خالقه الذي أنعم عليه بنعمة الوجود، ورزقه من الطيبات، وأسبغ عليه من النعم الظاهرة والباطنة ما لا يُحصى ولا يُعد، {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ}(النحل:18)..
فالوفاء مع الله يعني أن يكون العمل خالصاً له سبحانه، وأن يكون موافقاً لشرعه وسنة نبيه، وأن تكون الحياة كلها قائمة على طاعته، فلا يُقدَّم الهوى على أمره، ولا تُؤثَر الدنيا على الآخرة، ولا يُضيَّع ما أمر به وفرضه، من صلاة وصيام وزكاة وحج، وقد قال الله تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ}(النحل:91)، وقال سبحانه: {وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا}(الفتح:10).. َ
والوفاء مع الله هو الأساس الذي تُبنى عليه كل صور الوفاء الأخرى، فمن صدق مع الله صدق مع الناس، ومَن وفَّى لله وفَّى لِخَلْقِه، ومَنِ استقام على طاعة الله استقام في معاملاته كلها، ومن التزم بعهد الله التزم بعهود البشر..

عباد الله: الوفاء من شِيَم الرجال، وأمارةٌ على سموِّ النفس وحُسن الخُلق، وأوفى الناس هم رسل الله، ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم كان أوفى الناس، وضرب لنا المثل العالي في الوفاء..
لما منع المُطعِمُ بنُ عديّ المشركين أن يُؤذُوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في مكة قبل الهجرة، حفِظَ له النبي صلى الله عليه وسلم إحسانَه ومعروفه معه رغم أنه كان كافرا، فقال صلى الله عليه وسلم في أُسارى بدر: (لو كان المُطعِم بن عديٍّ حيًّا ثم كلَّمني في هؤلاء النَّتْنى لتركتُهم له) رواه البخاري.
وكان صلى الله عليه وسلم وفيًّا مع صحابته، أبو بكر رضي الله عنه أفضل الصحابة، نصر النبي صلى الله عليه وسلم بماله ونفسه، وكان أكثر الصحابة صُحبة، فقال صلى الله عليه وسلم معبرا عن وفائه لأبي بكر رضي الله عنه: (لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلَكِنَّهُ أَخِي وَصَاحِبِي، وَقَدِ اتَّخَذَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلًا) رواه مسلم.
واعتزَّ الإسلام بإسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأبلى في المشاهد بلاءً حسنًا، فقال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: (وعمر في الجنة) رواه الترمذي.
ولما بذل عثمان بن عفان رضي الله عنه لهذا الدين من ماله ما بذل، وجهَّز جيش العُسرة قال صلى الله عليه وسلم: (ما ضرَّ عثمان ما عمِل بعد اليوم) رواه الترمذي.
وعليٌّ رضي الله عنه أول من أسلم من الصبيان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم فيه يوم خيبر: (لأُعطينَّ الرايةَ غدًا رجلاً يحب اللهَ ورسولَه، ويحبُّه اللهُ ورسولُه ـ فأعطاها علياًـ) رواه البخاري.
(وصلَّى النبي صلى الله عليه وسلم على شهداء أُحُدٍ بعد ثمان سنين من استشهادهم كالمُودِّع لهم) رواه البخاري.
وصلَّى على قبر امرأة سوداء فقيرة غير معروفة للناس جاريةٍ كانت تنظف المسجد..
ولما ناصرَه الأنصار وأحسنوا للمهاجرين دعا لهم النبي صلى الله عليه وسلم ولأولادهم وذرياتهم، فقال: (اللهم اغفر للأنصار ولأبناء الأنصار ولأبناء أبناء الأنصار) رواه مسلم.
ولم يُقدم أحدٌ من الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم معروفًا إلا وكافأه عليه، فقال عليه الصلاة والسلام: (ما لأحدٍ عندنا يدٌ إلا وقد كافأناه ما خلا أبابكر فإن له عندنا يدًا يُكافِئُه الله بها يوم القيامة) رواه الترمذي.
وأمر صلى الله عليه وسلم بحفظ الوُدِّ لصحابته كلهم بعد مماته، فقال: (لا تسُبُّوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثلَ أُحُدٍ ذهبًا ما أدركَ مُدَّ أحدهم ولا نصيفَه) رواه مسلم.

ومن صور وفائه صلى الله عليه وسلم ما ظهر جلياً مع زوجته خديجة رضي الله عنها، فقد كانت أول من صدّقه وآمن به وواسته بمالها ونفسها، فكان يذكر فضلها بعد وفاتها ويقول: (إنِّي قدْ رُزِقْتُ حُبَّهَا) رواه مسلم. وكان يبعث الهدايا إلى صديقاتها بعد وفاتها وفاءً لها وحفظاً لعهدها، وفي هذا دليلٌ للوفاء وحُسن العهد وحفظ الوُدّ، ورعاية حُرمة الصاحب والأهل في حياتهم وبعد وفاتهم..
ولم يقف وفاؤه عند خديجة رضي الله عنها، بل امتد إلى سائر زوجاته، فكان يحسن إليهن، ويكرمهن، ويعدل بينهن، ويعطي كل واحدة حقها، ليكون قدوةً في الوفاء الزوجي وحُسن العشرة، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي) رواه الترمذي.
وقد امتد وفاؤه صلى الله عليه وسلم إلى أمته كلها فقال: (لكل نبيٍّ دعوةٌ مُستجابة، فتعجَّل كلُّ نبيٍّ دعوتَه، وإني اختبأتُ دعوتي شفاعةً لأمتي يوم القيامة، فهي نائلةٌ - إن شاء الله - من مات من أمتي لا يُشرك بالله شيئًا) رواه مسلم.

وإذا كان وفاؤه صلى الله عليه وسلم قد تجلّى مع أصحابه وأزواجه وأمته، فإنه بلغ ذروة الكمال حتى مع أعدائه الذين آذوه وحاربوه، فلم يُعرف عنه غدرٌ ولا خيانة، بل شهد له بذلك خصومه قبل أصحابه، فقالوا: "ما عُرِفتَ بالغدر صغيراً ولا كبيراً، بل عُرفت بالبر والوفا"، ولما سأل هرقل أبا سفيان ـ وكان يومها عدواً للنبي صلى الله عليه وسلم: "أيغدر محمد؟ قال: لا، فقال هرقل: وكذلك الرسل لا تغدر".
وقد سبق النبي صلى الله عليه وسلم العالم كله في إقامة العلاقات على أساس الوفاء بالعهود والمواثيق، واحترام المعاهدات، وعدم قتل الرسل والسفراء، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (أدِّ الأمانةَ إلى منِ ائتمنكَ، ولا تخنْ من خانكَ) رواه أبو داود.
وهكذا كان نبينا صلى الله عليه وسلم قدوةً في الوفاء، حتى مع من عاداه، ليبقى لنا منهجاً نقتدي به في حياتنا ومعاملاتنا، فكان وفاؤه شاملاً للأهل والأصحاب والأعداء، للأحياء والأموات، وقد علّم الأمة أن الوفاء ليس خُلقاً يُمارس عند الحاجة فقط، بل هو مبدأ وخلق ثابت، وسلوك دائم، ومنهج حياة يلازم المسلم في كل أحواله، وقد قال الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}(الأحزاب: 21).. فليكن وفاؤه صلى الله عليه وسلم نبراساً لنا، نستنير به في حياتنا، ونترجم معانيه في واقعنا ومعاملاتنا وحياتنا..
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم..

الخطبة الثانية
الحمد لله الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد، أيها المسلمون:

الوفاء أمارة من أمارات صدق اللسان والفعل معاً، وهو خُلق يبعث في نفس الوفِيّ غبطةً وسروراً، ويزرع في القلب المُوفَى له رغبةً في البر والمجازاة، أما مَن جحد المعروف ونسي الجميل فهذا ممن صغرت همته وضاقت نفسه عن الوفاء.

فاحرصوا على الوفاء، ففيه سلامة القلب ونقاء السريرة ونماء العلاقات، وهو عنوان السعادة والفلاح في الدنيا والآخرة، وليكن عملكم في العطاء والإحسان والبر والوفاء خالصاً لوجه الله، فإن لم تجدوا من الناس جزاءً أو شكوراً فلا تحزنوا، فأنتم تطلبون الثواب من الله لا من البشر، قال الله تعالى: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا}(الإنسان: 9)..
احرصوا على الوفاء مع والديكم ببرهما وخفض جناح الذل لهما والدعاء لهما، وإكرام أصدقائهما بعد وفاتهما.
واحرصوا على الوفاء مع زوجاتكم إحساناً ومعروفاً، بحسن العشرة والعدل والرحمة، فإن خيركم خيركم لأهله.
واحرصوا على الوفاء مع أولادكم بحسن تربيتهم والاهتمام بهم، بتعليمهم الدين والخلق، ورعايتهم في صغرهم وكبرهم.
واحرصوا على الوفاء مع أصحابكم بالصدق في صحبتهم، وحفظ ودهم، وكف الأذى عنهم، ومشاركتهم أفراحهم وأحزانهم.
واحرصوا على الوفاء مع من أسدى إليكم معروفاً، بمكافأته أو الدعاء له، فإن ذلك من تمام المروءة وصدق الإيمان، قال الله تعالى: {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ}(الرحمن:60)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (من لا يشكر الناس لا يشكر الله) رواه الترمذي.

وختاما، عباد الله: كونوا أوفياء في أقوالكم وأفعالكم وحياتكم، أوفياء في سرّكم وعلانيتكم، لتكونوا مثالاً للصدق والبر، وصورةً ناصعةً للأمانة والإحسان، واجعلوا الوفاء شعاراً ومنهجا يلازمكم في كل شأن من حياتكم، فهو طريق الطمأنينة، ومفتاح السعادة، فمن وفَّى لله أولا ووفى لِخَلْقِه ثانيا بلغ رضا الرحمن ونال محبة الناس، قال تعالى: {وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهِ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا}(الفتح:10).

هذا وصلوا وسلموا على السراج المنير، والهادي البشير، كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً}(الأحزاب:56)..

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة