الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كيف أتوقّف عن هذه العادة المحرّمة وعن مشاهدة أفلام الساقطين؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أريد منكم استشارة وأرجو ألَّا تحيلوني على استشارة أخرى.

أنا شاب ابتلاني الله بالعادة السرّية والأفلام الإباحية منذ أن كنت في الحادية عشرة من عمري، ثم استطعت بفضل الله التخلّص منها زمنًا طويلًا، إلى أن عادت إليّ منذ فترة، وأنا مقبل على اختبارات الثانوية العامّة، فكيف أنفكّ عنها؟ حاولت بجميع الطرق أن أتركها ولكن لم أستطع لضعفي، حتى إنّي الآن أجد نفسي لا أقاومها أبدًا.

مع العلم أنّي أصلّي كلّ صلاةٍ في المسجد، وأحفظ القرآن، وأطلب العلم، وأفعل غيرها من النوافل، لكن لا أدري أين الخلل، وكيف أتوقّف عن هذه العادة المحرّمة وعن أفلام الساقطين!

أفيدوني، أرشدكم الله لطاعته.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ أحمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نشكرك على تواصلك معنا وثقتك بموقعنا.

وصلتني رسالتك فأحسست بثقلها وصدقها، وأنا أقرأ فيها شابًا يصلي في المسجد، ويحفظ القرآن، ويطلب العلم، ومع ذلك يحمل هم ذنب يريد التخلُّص منه بكل صدق، وهذا الألم الذي تشعر به تجاه معصيتك دليل على حياة قلبك لا موته، فلو كان قلبك قد مات ما أحسست بهذا الثقل، ولَمَا بحثت عن مخرج.

أولًا: ما تعانيه ليس استثناءً، بل هو من أشد الابتلاءات التي يواجهها شباب هذا الزمان في عصر أصبح فيه الوصول إلى المحتوى الفاسد أيسر من أي وقت مضى، وعودتك إلى هذا الذنب بعد أن تخلَّصت منه لا تعني أنك فاشل، بل تعني أن المعركة ما زالت دائرة، وأنك ما زلت في ميدانها، وقد قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت:69].

ثانيًا: ما تعانيه لا يعني تناقضًا بين إيمانك وذنبك؛ فالنفس البشرية مجبولة على الميل نحو الشهوات، وكم من صحابي أتى النبي ﷺ يشكو ضعف نفسه فلم يؤنبه بل وجهه ودعا له، والذي يجب أن تعلمه أن الإدمان على مشاهدة الإباحيات يعمل وفق آلية نفسية دماغية تشبه الإدمان السلوكي، إذ يُفرز الدماغ مادة الدوبامين عند كل مشاهدة فتتشكل دائرة من الشوق، والبحث، والمكافأة، تجعل الانسحاب صعبًا لكنه ليس مستحيلًا، وإدراكك لهذه الآلية يساعدك على التعامل معها بذكاء لا بمجرد الإرادة العمياء.

ثالثًا: أول الخطوات وأهمها هو معرفة محفزاتك الشخصية، فتأمل في أي الأوقات تقع في الغالب، أهو وقت الفراغ، أم بعد الإخفاق الدراسي، أم حين تكون وحيدًا في الليل؟ فمن عرف محفزاته استطاع أن يتعامل مع المعركة قبل الوقوع لا بعده.

والخطوة الثانية هي: تحصين أجهزتك الرقمية بلا تردد، فقم بتفعيل برامج حجب المواقع الإباحية على هاتفك وحاسوبك، وأعط كلمة المرور لشخص تثق به من أهلك؛ حتى لا تستطيع تعطيله في لحظة ضعف، وهذا ليس جبنًا بل حكمة، فمن يسد الطريق على الشيطان قبل أن يدخل أقوى ممن يصارعه بعد أن يدخل.

والخطوة الثالثة هي: قطع الفراغ بلا رحمة، فالفراغ الذهني أخطر حليف للشيطان، وأنت على أعتاب اختبارات الثانوية العامة فهذه فرصة ذهبية، فاملأ وقتك بالمذاكرة والمراجعة، وحين تنتهي انتقل مباشرة إلى نشاط آخر كالرياضة، أو حلقة القرآن، أو مجالسة الأصدقاء الصالحين، ولا تدع لحظات الفراغ الحر تتراكم في المساء وأنت وحيد مع شاشتك.

والخطوة الرابعة هي: الصوم، فقد أرشد النبي ﷺ الشباب عند عدم القدرة على الزواج بقوله: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» (رواه البخاري ومسلم)، فاحرص على صيام الاثنين والخميس فإنه يكسر حدة الشهوة ويعينك على ضبط نفسك.

والخطوة الخامسة هي: ضبط البصر في الحياة اليومية قبل الوصول إلى المواقع، فكثير من الناس يقعون في الإباحيات لأن بصرهم غير محفوظ في الشارع ووسائل التواصل الاجتماعي، فتعود على غض البصر في كل موقف، واحذر من متابعة الحسابات التي تعرض صورًا مثيرة، فالأمر مترابط من أوله إلى آخره، وقد قال النبي ﷺ لعلي رضي الله عنه: «يَا عَلِيُّ، لَا تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ، فَإِنَّ لَكَ الْأُولَى وَلَيْسَتْ لَكَ الْآخِرَةُ» (رواه أبو داود والترمذي).

والخطوة السادسة هي: التوبة الفورية بعد كل سقطة دون انتظار، فلا تدع الشيطان يستغل ذنبك ليسقطك في اليأس والاستسلام، فإن وقعت فتب في الحال، وصلِّ ركعتين واستغفر، ولا تقل في نفسك: لقد أخطأت فلأكمل، بل اقطعها فورًا، واعلم أن التوبة تمحو الذنب وتجدد العزيمة.

رابعًا: أنت تصلي كل الصلوات في المسجد، وتحفظ القرآن، وتطلب العلم، وتأتي تسأل عن طريق الخلاص، فلو استعرضنا واقع كثير من شباب اليوم لوجدنا أنك بمقاييس المجتمع في مقام رفيع، لكن الله يريد منك أكثر لأنه أعطاك أكثر، فالابتلاء على قدر العطاء، والمجاهدة على قدر القرب، وقد قال الشاعر:
صَبْرًا جَمِيلًا مَا أَقْرَبَ الْفَرَجَا *** مَنْ رَاقَبَ اللَّهَ فِي الْأُمُورِ نَجَا

فاعلم أن الله يرى كل لحظة تقاوم فيها، وكل مرة تتوب، وكل دعوة ترفعها إليه في الليل، ولا تنظر إلى مدى سقوطك بل انظر إلى مدى نهوضك، فإن العبد الذي يتوب كلما أخطأ أحب إلى الله من عبد يظن نفسه لا يخطئ.

وإن رأيت أن حجم الإدمان تجاوز قدرتك على التحكم، فلا حرج في استشارة أخصائي نفسي متخصص، بل هو من الحكمة والشجاعة، فطلب المساعدة المتخصصة لا يعارض توكلك على الله، كما أن علاج المرض الجسدي بالدواء لا يعارض توكل المريض على الله.

نسأل الله أن ييسر أمرك، وأن يشرح صدرك، وأن يهديك سواء السبيل.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأكثر مشاهدة

الأعلى تقيماً